فتوى الشيخ البراك!
جواد البشيتي
إذا أردتم أنْ تقيسوا "درجة تحرُّر (وتحضُّر) المجتمع"، أيُّ مجتمع، فلا تقيسوها بموازين من قبيل "ميزان الانتخابات البرلمانية والرئاسية"، الذي به نقيس درجة تطوُّر، أو منسوب، "الديمقراطية"، و"الحرِّية"، في تلك الانتخابات؛ فهذا "الميزان"، وعلى أهميته، ليس بأهمية "الميزان" الذي به نقيس درجة تحرُّر المرأة، فإنَّ درجة تحرُّرها هي نفسها، تقريباً، درجة تحرُّر المجتمع بأسره، على أنْ نفهم "الحرِّية"، أكانت حرِّية المرأة أم حرِّية الرجل، على أنَّها نَفْيٌ لـ "الإباحية"، أي التحلُّل من كل قيد أخلاقي (وغير أخلاقي) تحتاج إليه كل حرِّية حقيقية.
أمَّا ما حَمَلَني على قول هذا فهو "فتوى جديدة"، أصدرها الشيخ السلفي السعودي د. عبد الرحمن البراك (77 عاماً) وأحلَّ فيها قَتْل "مَنْ يبيح الاختلاط (في العمل والتعليم) بين الجنسين، مُعْتَبِراً إيَّاه "مرتدَّاً كافِراً (ويجب قتله بالتالي)".
الشيخ، في فتواه، وَصَفَ "الذي يسمح لأخته أو زوجته بالعمل، أو الدراسة، مع الرجال" بأنَّه "ديوث"؛ و"الديوث" من الرجال هو القواد على أهله، والذي لا يغار عليهم، ولا يخجل.
"المفتي"، تعريفاً، هو مختص بـ "الإفتاء"، يجيب دينياً (أي إسلامياً) عمَّا يشكل ويلتبس من أمور ومسائل في حياة الناس (الفرد أو الجماعة) المؤمنين، مبيِّناً لهم "الحُكْم الشرعي"؛ و"المفتي"، صفةً، هو، وبحسب ابن القيم، مُبْلِغٌ عن الله، وعن الرسول، أي أنَّ الرأي الذي يدلي به (أو الفتوى التي يُخْرجها) يجب، ولو من حيث النيَّة والقصد، أن يكون مِمَّا يُقرُّه الله ورسوله.
و"الفتوى"، مهما كانت منزلة مُخْرِجها، ودرجة أهليته؛ ولو كانت محل إجماع بين أهل الإفتاء، تظل رأياً لصاحبها، يصحُّ فيه قول الإمام الشافعي: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".
و"الأجرأ على الإفتاء"، على ما قال الرسول، "أجرأ على النار"؛ فإذا أراد "المفتي" أن يقي نفسه عذاب النار فإنَّ عليه أن يزن كل كلمة يقولها في فتواه، وأن يجتهد في جعلها، على ما يُقدِّر في نهاية مطافه الطويل الشاق، مستوفيةً لشروط نيله الثواب، وإلاَّ وجب عليه أن يكون "مفتياً سلبياً"، أي أن يقول "لا أعلم"، فإنَّ "من قال لا أعلم فقد أفتى".
و"الفتوى"، في بعض من أهم معانيها الدينية الإسلامية، يجب أن تكون بِنْتاً للحياة، والعصر، والواقع، فأهميتها وشرعيتها تُسْتَمدَّان أيضاً من ظرفي الزمان والمكان، ومن الحياة الواقعية للناس، بما تخلقه لهم من مصالح واقعية حقيقية، وبما تولِّده فيهم، ولديهم، من احتياجات واقعية حقيقية، ومتغيِّرة، فالدين كلمَّا أجاب عن الأسئلة بما ينفع الناس، ويلبِّي احتياجاتهم، ويمكِّنهم من العيش بما يوافِق زمانهم ومكانهم، وبما يراعي اختلاف ظرفي الزمان والمكان، تأصَّل في نفوسهم أكثر، وعَظُم ظهوره في سلوكهم وتصرُّفهم.
لا بدَّ من قول ذلك؛ لأنَّ الناس في المجتمع المسلم في ميل متزايدٍ إلى طلب الفتاوى؛ وهذا الميل هو جزء من ميلهم الأوسع إلى أن يزنوا كل تصرُّف (فردي أو جماعي) بميزان الحلال والحرام، فتلوين كل منحى من مناحي حياة الأفراد والجماعات بلون الدين الإسلامي، والذي هو شمولي الطبيعة، هو ما يستبدُّ بتفكير كثير من الناس، أو أكثريتهم.
ومن هذه "الحاجة السلوكية ـ الدينية" التي في اشتداد وتعاظم، يَنْفُذ إلى عقول الناس كثيرٌ من المُغْرضين في "فتاواهم"، والمتَّجرين بها، والذين، عن وعيٍ أو عن جهلٍ، يريدون لفتاواهم أن تكون مُسيِّراً لكثيرٍ من المسلمين (والشباب منهم على وجه الخصوص) بما تشتهي مصالح وأهداف قوى تلبس لبوس الدين توصُّلاً إلى سَتْر عدائها للشعوب الإسلامية، بمصالحها وحاجاتها الواقعية الحقيقية غير الوهمية.
في فتاواهم تَصْغُر العظائم، وتَعْظُم الصغائر، فالأمور والمسائل التي تضرب جذورها عميقاً في المصالح والحاجات العامة والأساسية للمسلمين، أفراداً وجماعات، لا مكان لها في فتاواهم على فيضها وكثرتها وتكاثرها؛ فلم نسمع قط أنَّ أهل الإفتاء قد توفَّروا على إخراج فتوى يؤكِّدون فيها للعامة من المسلمين أنَّ الديمقراطية ليست من الكفر في شيء، إنْ لم تكن من الإيمان، وكأنَّ لهم مصلحة تقضي بالتصالح مع ذوي المصلحة في إبقاء شعوبنا ومجتمعاتنا بمنأى عن الديمقراطية بخيرها وشرِّها.
فتاواهم إنَّما هي لتعظيم الصغائر؛ وكيف لها أن تكون غير ذلك وأصحابها لا ينطقون إلاَّ عن هوى مصالح صغيرة لهم، تهوي بنا، إذا ما صدَّقناها، وأخذنا بها، إلى الدرك الأسفل من النار التي يُعدُّونها لنا بالتعاون مع قوى جُبِلَت على العداء لحقوقنا الديمقراطية، ولقضايانا ومصالحنا القومية؟!
إنَّ أحداً منهم لم يجرؤ على أن يفتي بما يسمح بتذليل العقبات من طريق قيام صحافة حرَّة في الدول العربية؛ ولكنه لم يخجل من أن يمتثل لمشيئة شياطين الاستبداد، وأن يصنع لهم فتوى يبيح لهم فيها "جلد الصحافي" الذي ينشر أخباراً غير صحيحة، أو تُشهِّر بوزراء ونوَّاب..
حتى تحرير المرأة، وتحرير العلاقة بين نصفي المجتمع، بما يرفع منسوب الحرية في المجتمع، ويزاوِج بين تديُّنه وتحضُّره، لم تشمله الفتاوى إلاَّ بما يؤدِّي إلى رفع منسوب الرذيلة، فالمرأة، بحسب "فتوى إرضاع الكبير"، ينبغي لها أن تُرْضِع زميلها في العمل (والذي تعمل معه في غرفة واحدة) خمس رضعات، فيصبح، بالتالي، محرَّماً عليها، فتكشف عن شعرها وتَخْلع الحجاب أمامه؛ وتتحوَّل "الخلوة"، بحسب تلك "الفتوى"، من "غير شرعية" إلى "شرعية". "الرذيلة"، بحسب "فتوى" الدكتور عزت عطية، رئيس قسم الحديث في كلية أصول الدين في جامعة الأزهر، والذي أثبت أنَّه مُرْضِعة لفساد أخلاقي عظيم، إنَّما هي "الاختلاط" بين الجنسين في العمل؛ أمَّا "الفضيلة" فهي أن تكشف المرأة لزميلها (ولكثيرٍ من زملائها من ثمَّ) عن صدرها لترضعه خمس رضعات (لا أكثر ولا أقل)!
جمال البنا، الذي يوصف بأنَّه "مفكِّر إسلامي"، أراد أن يحل مشكلة "الطرف الثالث"، وهو إبليس، فالمرأة والرجل (من غير المتزوِّجين، أو من غير المحارم) ما أن ينفردا في خلوة حتى يصبح ثالثهما إبليس، فيزيِّن لهما الرذيلة وارتكاب الحرام. لقد حلَّها إذ حلَّل القبلات بين الجنسين في الأماكن العامة، أي على مرأى من الناس، ففي المكان العام يُحَلَّل ما يُحرَّم في الخلوة، التي هي أيضاً محرَّمة!
حتى "الشيخ" نزار قباني لم يجرؤ على قول ما قاله "المفكِّر الإسلامي" جمال البنا، فقصارى قوله كان "إذا ما اجتمع رجل وامرأة خرج الشيطان"!
أمَّا أعظمهم شأناً ومكانةً في دنيا الإفتاء إلا وهو مفتي مصر الدكتور علي جمعة، والذي لم يُفْتِ قط إلاَّ بما يقيم الدليل على أنَّه علينا، وليس مِنَّا، فلم يَجِد من أمرٍ يستحق أن يُخْرِج فيه فتوى سوى "بول الرسول"، ففتى بـ "التبرُّك ببول الرسول"، ضارباً صفحاً عن حقيقة أنَّ الرسول بشر، وعن الآية "قل إنَّما أنا بشر مثلكم".
هذا المفتي ختموا على فمه، فلم يرَ ما يستدعي أن يُخْرِج فتوى يُحرَّم فيها أن يشارِك أي مسلم في الحصار الإسرائيلي (والدولي) المضروب على المسلمين، وعلى أطفالهم على وجه الخصوص، في قطاع غزة، وكأنَّه فضَّل أن يرى في جوعهم، وتجويعهم، امتحاناً لصلابة وقوَّة إيمانهم!
إننا في "عصر السرعة"؛ ولكننا لم نرَ من أثرٍ لهذه السمة لعصرنا إلاَّ في "الوجبات السريعة"، وفي "الفتاوى السريعة"، التي يطهونها لنا شيوخ الفضائيات في دقائق معدودات، لعلَّ المتضورين جوعاً إلى الفتاوى من أبناء مجتمعنا "يهتدون"!
الحاسَّة الصحافية
جواد البشيتي
الصحافي يملك ما يملكه سائر البشر من حواس، هي الحواس الخمس (البصر والسمع والذوق والشم واللمس). ولكنَّه، وإذا ما أراد أن يكون صحافياً حقيقياً، يجب أن يملك ما يسمَّى "الحاسَّة الصحافية"، والتي هي جزء من كلٍّ، يمكن تسميته "الحاسَّة المهنية"، فهناك، مثلاً، "الحاسَّة السياسية"، التي ينبغي لرجل السياسة أن يملكها، و"الحاسَّة الأمنية"، التي ينبغي لرجل الأمن أن يملكها.
و"الحاسَّة الصحافية"، لجهة وجودها، وقوَّة وجودها، في الصحافي، إنَّما هي شيء يكتسبه الصحافي اكتساباً، إذا ما قَوِيَ في نفسه الدافع أو الحافز إلى اكتسابه.
ولا شكَّ في أنَّ للصحيفة التي يعمل فيها، إذا ما أرادت أن تَكْبَر بصحافييها، دوراً مهمَّاً في مساعدة الصحافي في تطوير وتقوية حاسَّته الصحافية، وفي تدريبه على ذلك، فإنَّ من الأهمية بمكان للصحيفة أن يكون لديها صحافي يرى ما لا يراه غيره من الناس الذين يَنْظُر معهم إلى الشيء نفسه، ويسمع ما لا يسمعه غيره مِمَّن يشاركونه الاستماع إلى الكلام نفسه.
و"التدريب" الذي أتينا على ذكره، قد يكون من قبيل أن تُزوِّد الصحيفة الصحافي ـ الذي أرسلته في مهمة صحافية، يُقاس نجاحها، وتُعْرَف أهميتها، من خلال "الخبر" الذي يأتيها به ـ طائفة من "الأسئلة الحسِّية"، أي التي تقود وتوجِّه عينيه، مثلاً، أو في المقام الأوَّل، فيرى، من خلال سعيه إلى إجابتها، ما ينبغي له أن يراه من أشياء وتفاصيل، كان ممكناً ألاَّ يقع عليها بصره، إذا لم يكن مزوَّداً تلك الأسئلة، ولو وقعت في مدى بصره.
إنَّ "الخبر"، إذا ما أحْسَنَّا فهمه، أو إذا ما فهمناه على حقيقته، هو "الغاية" التي تنشدها كل صحيفة، لديها من الحرِّية في النشر ما يقوِّي فيها الدافع أو الحافز إلى البحث والتنقيب عن "الخبر"، وإلى "صنعه"؛ وليس "الخبر" سوى "المعلومة" الجديدة الجيِّدة، فـ "الجديد" لا أهمية له إذا لم يكن "مفيداً"، من وجهة نظر عامَّة ما؛ و"المفيد" لا يظل كذلك إذا لم يكن "جديداً".
وأحسبُ أنَّ "الحاسَّة الصحافية" المحسَّنة والمُطوَّرة هي "الأداة" الفضلى للبحث والتنقيب عن "الخبر"، ولـ "صنعه".
والسؤال الذي باجابتنا له نتبيَّن وزن وأهمية ودرجة تطوُّر "الحاسَّة الصحافية" إنَّما هو "كم رأيْتَ.. وماذا رأيْتَ؟"؛ فـ "الحاسَّة الصحافية" لا وجود لها في صحافي له عين لا تُبْصِر، وأُذْنٌ لا تسمع.
والصحافي الذي طوَّر، وعَرَفَ كيف يُطوِّر، حاسَّته الصحافية، هو الذي قادته تجربته وخبرته إلى استنتاج في منتهى الأهمية، مؤدَّاه أنْ ليس من أمْرٍ غير مهمٍّ إلاَّ في نظر صحافي غير مهتم؛ فالصحافي ذو الحاسَّة الصحافية القوية إنَّما هو الذي "يكتشف" معاني كبيرة في الأمور والشؤون الصغيرة، أو التي تبدو لغيره صغيرة.
ولكن، ما السبيل إلى اكتساب الصحافي "الحاسَّة الصحافية"؟
في الإجابة عن هذا السؤال، أقول معتقِداً إنَّ "يقظة" الحواس، ولا سيَّما البصر منها، وامتلاك "المفهوم"، هما الشيء الأهم في سعي الصحافي إلى اكتساب هذه الحاسَّة.
إنَّ العين التي ترى هي العين المفتوحة؛ ولكن ليست كل عين مفتوحة ترى، فتجربتنا الحسِّية تُعلِّمنا أنَّ العين غير اليقظة، "النائمة"، التي يعيث في عملها فساداً كسل الذهن وخموله وشروده، أو انشغاله وإشغاله بأمور وأشياء ليست بذي أهمية "الآن"..، هي عين لا تُبْصِر وإنْ أبصرت، أي لا ترى ما ينبغي لها أن ترى من الحادث أو الواقعة أو المشهد..
ولكنَّ العينين، وعلى أهميتهما، وأهمية يقظتهما، لن تتَّسِع رؤيتهما، وتتعمَّق، وتغتني، وتَكْتَمِل، إلاَّ بـ "العين الثالثة"، الموجودة في داخل الرأس، وهي "عين الخبرة والتجربة والثقافة.."، أي "المفهموم".
من "الإحساس"، بأنماطه وأنواعه الخمسة، يُوْلَد "المفهوم"، الذي بفضله يتطوَّر "الإحساس"، وكأنَّ "المفهوم" هو الحاسَّة التي بها يتعمَّق الإحساس، ويتعمَّق المرء في رؤية ما تراه عيناه.
"المفهوم" إنَّما هو "العام" وقد رأته "عين" العقل في "الخاص"، الذي تراه العين، فإذا أنتَ ذهبْتَ إلى مدينة البتراء في زيارة سياحية، وكنتَ لا تعرف شيئاً من عِلْم الآثار، أو عن حضارة الأنباط، فإنَّكَ لن ترى إلاَّ صخوراً، أو مدينة منحوتة في الصخر الوردي اللون؛ ولا شكَّ في أنَّكَ ستفضِّل عندئذٍ السياحة الصديقة للمعدة والبطن (سياحة المطاعم) على الزيارات السياحية للمواقع الأثرية.
أمَّا لو كنتَ على معرفة تاريخية وحضارية وأثرية جيِّدة، أي لو كنتَ تملك "المفهوم"، أو "العين الثالثة"، لرأيْتَ أكثر كثيراً ممَّا تراه عيناكَ، ولأدركْتَ، عندئذٍ، أنَّ الحواس تحتاج إلى الثقافة والتثقيف، فشتَّان ما بين العين "المثقَّفة" بالشيء الذي تراه والعين "الأُمِّية".
إذا كان البصر يخبرنا باللون مثلاً، والسمع بالصوت، والذوق بالطعم، والشمُّ بالرائحة، واللمس بالخشونة أو النعومة مثلاً، فإنَّ "العين الثالثة" تخبرنا بالمعنى الذي ينطوي عليه المحسوس.
بـ "يقظة الحواس"، و"العين الثالثة"، عين الخبرة والتجربة، يملك الصحافي حاسَّته المهنية، أي "الحاسَّة الصحافية"، والتي تُؤكِّد وجودها وفاعليتها من خلال صعوده في "سُلَّم الأسئلة"، فهو ما أن يُسجِّل إجابته عن سؤالي "أين؟"، و"متى؟"، حتى يشرع يصعد في ذاك السُّلَّم، توصُّلاً إلى إجابة سؤال "ماذا حدث؟"، ثمَّ سؤال "كيف حدث هذا الذي حدث؟"، ثمَّ سؤال "لماذا حدث؟"، والذي ما أن يسعى في إجابته، ويتوصَّل إليها، حتى يدرك أهمية وضرورة امتلاكه وتطويره لـ "الحاسَّة الصحافية".
بيان اليأس!
جواد البشيتي
إنَّها "وثيقة اليأس".. اليأس الجيِّد والمفيد والضروري للفلسطينيين، وقضيتهم القومية، أو إلى ما بقي من هذه القضية حتى الآن؛ أمَّا اسمها، بعد صفتها تلك، فهو "وثيقة عريقات"، التي نشرت "هآرتس" الإسرائيلية بعضاً من محتواها.
ولقد فضَّل صاحب الوثيقة، صاحب صفة "كبير المفاوضين الفلسطينيين"، أن يصف "الخيار الثالث"، الذي تضمَّنته وثيقته، وهو خيار "الدولة الواحدة ثنائية القومية في أرض فلسطين التاريخية (ما بين البحر المتوسط ونهر الأردن)"، بأنَّه الخيار الذي لا مفرَّ، ولا مهرب، ولا مناص، منه، أي الذي لا بدَّ منه.
وهذا "الخيار التاريخي والإستراتيجي الجديد (أي القديم في حُلَّة جديدة)" ليس بذي أهمية سياسية عملية واقعية، من وجهة نظر صاحب الوثيقة، إلاَّ إذا أدَّى شهره على حكومة نتنياهو وإدارة الرئيس أوباما، على وجه الخصوص، إلى تحقيق "الهدف التاكتيكي" الكامن في أساسه، وهو استئناف مفاوضات السلام مع إسرائيل من النقطة التي انتهت إليها في عهد الحكومة الإسرائيلية السابقة، وإدارة الرئيس بوش، وكأنَّ ما تحقَّق من "تفاهم" بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي من قبل، والذي لم نُحَطْ به علماً، حتى الآن، بما يكفي لتمييز غثِّه من سمينه، يُعَدُّ أساساً جيِّداً (للعودة إلى طاولة المفاوضات) من وجهة النظر الفلسطينية، وأفضل بكثير مِمَّا يمكن أن يحقِّقه الرئيس أوباما للفلسطينيين الذين نجح أوباما في إقناعهم (سريعاً) بأنَّه غير جدير بثقتهم.
وتوضيحاً لا بدَّ منه، نقول إنَّ حكومة نتنياهو ما زالت تأبى استئناف المفاوضات من تلك النقطة التي انتهت إليها؛ لأنَّها تَسْتَكْثِر أنْ يُتَرْجَم "حق العودة"، إسرائيلياً، بعودة نحو 150 ألف لاجىء فلسطيني فقط إلى إسرائيل، ولو على مدى 10 سنوات (15 ألف لاجىء كل سنة)!
وعلى أهمية حل مشكلة ملايين اللاجئين الفلسطينيين، لم يوضِّح عريقات لهؤلاء، في وثقيته، صلتهم بـ "الخيار الثالث"، فهل "الدولة الواحدة ثنائية القومية" هي الدولة التي تتَّسع (سياسياً في المقام الأوَّل) لنحو 10 ملايين فلسطيني، أم هي التي تضيق (سياسياً أيضاً) باللاجئين الفلسطينيين، فلا تَضُم في "قوميتها الثانية"، أو في "القومية الفلسطينية"، إلاَّ الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة؟!
"الدولة الواحدة ثنائية القومية" إنَّما تعني، إذا ما قامت، بعد، وبفضل، هدم "حق العودة"، أن تَقْبَل "القومية الفلسطينية"، التي فقدت الجزء الأكبر من وزنها الديمغرافي، العيش في الإقليم الجديد لدولة إسرائيل (ما بين البحر والنهر) على أنْ تُعرِّف هذه الدولة نفسها على أنَّها دولة ثنائية القومية، يتساوى فيها في الحقوق "المواطن الإسرائيلي، اليهودي الأصل" و"المواطن الإسرائيلي، العربي (أو الفلسطيني) الأصل"، وكأنَّ "الصفقة" هي أن يبقى "الاسم"، أي "دولة إسرائيل"، في مقابل أن تتغيَّر "الصفة"، أي "يهودية" إسرائيل.
"المفاوِض" الفلسطيني لم يستطع الحصول على دولة مستقلة ذات سيادة، يشمل إقليمها "الأراضي الفلسطينية" التي تحتلها إسرائيل منذ 1967، مع تعديل طفيف للحدود، وتبادل طفيف للأراضي، وتتَّخِذ من القدس الشرقية (أو من الممكن استعادته منها) عاصمة لها، ويقترن قيامها بحلٍّ نهائي (متَّفَق عليه بين الطرفين) لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وبما يوافِق مبدأ "دولة فلسطينية للشعب الفلسطيني بأسره"، فاستبدَّ به الشعور بالعجز حتى شهر على إسرائيل هذا "الخيار الثالث"، الذي يكفي أن نحذف منه "الرقم" حتى يصح وصفه بأنَّه "خيار من لا خيار لديه"!
وهذا "الخيار"، الذي ليس بـ "خيار"؛ لأنَّه "وليد الاضطِّرار"، إنَّما هو التتمة المنطقية لهذا التحوُّل في "السياسة الفلسطينية" من "الخيار الإيجابي" إلى "الخيار السلبي"، الذي عرفنا من صوره حتى الآن "خيار لا عودة إلى طاولة المفاوضات قبل أنْ..، ولا عودة، في الوقت نفسه، إلى العنف (أي المقاومة بالحديد والنار)"، و"خيار لا للمفاوضات، جملةً وتفصيلاً، ولا لإنهاء الهدنة".
على أنَّ هذا الذي قلنا في أمر "الخيار الثالث"، و"وثيقة عريقات"، لا ينفي، بل يؤكِّد، أهمية وضرورة الإقرار بانطاوئها على نواة عقلاتية وواقعية هي فكرة "حل السلطة الفلسطينية"، وإلغاء "أوسلو"، وإنهاء "التعاون الأمني" مع إسرائيل، وحل قوى الأمن الفلسطينية، و"توديع دايتون" وداع هرقل للشام، والتأسيس لوضع في الضفة الغربية يضطَّر إسرائيل إلى استئناف حكمها العسكري للضفة وأهلها.
ولكن، هل تجرؤ السلطة الفلسطينية على حلِّ نفسها؟
وإنَّها لكارثة كبرى تصيب الشعب الفلسطيني وقضيته القومية أن يأتي الواقع بما يقيم الدليل على أنَّ السلطة الفلسطينية لم يبقَ لديها من "السلطة" و"السيادة" ما يفي بهذا الغرض، وهو أنْ تجرؤ على أن تقول "لا" لبقائها، الذي هو بقاء لا يبقي على شيء من القضية القومية للشعب الفلسطيني.
ولو لم يكن قرار، أو خيار، حل السلطة الفلسطينية مفيداً وضرورياً للشعب الفلسطيني وقضيته القومية لَمَا ظَهَر على هيئة سلاح تشهره السلطة الفلسطينية نفسها على إسرائيل والولايات المتحدة!
"وثيقة عريقات" إنَّما هي "بيان اليأس واليائس والميؤس منه"!
قانون "ولكن"!
جواد البشيتي
ثمَّة مرض يُدْعى "البلاهة القانونية"، ينتشر على وجه الخصوص في كل مجتمع حديث العهد بالحياة الديمقراطية وتقاليدها، كمجتمعنا، ويصيب حتى (أو في المقام الأوَّل) الصحافيين والإعلاميين وسائر أهل الفكر والقلم، فـ "التجربة الحقوقية" التاريخية والعالمية علَّمَتْنا أمراً في منتهى الأهمية، هو أنَّ مَنْ لا يعي حقوقه لا يمكنه أبداً الدفاع عنها، وأنَّ الجاهل بالقانون عدو نفسه، فـ "القانون" وإنْ كان "عادلاً" فإنَّه لا يرحم ضحايا الجهل به.
ومن أعراض مرض "البلاهة القانونية" أنَّ المصاب به يتوهَّم أنَّ القانون يعلو ولا يُعْلى عليه، وأنَّ المتحصِّن به لا خوف عليه، وأنَّ المواطنين كافة سواسية عنده كأسنان المشط، لا فرق بين مواطن ومواطن إلاَّ بمخافته والتزامه واحترامه.
بصفة كوني كاتباً صحافياً، ومؤمناً (حتى الكفر) بأنَّ في الاتِّحاد قوَّة، ولو كان المتِّحِدون من ألسنة وأقلام الصحافة والإعلام، ولو كان اتِّحادهم على شكل "نقابة"، اضطُّرِرتُ إلى أن أقرأ ما تيسَّر لي من "حقوقي القانونية"، أي من حقوقي التي يُقرِّها "القانون"، فهالني ما قرأت، وما فهمت، وكأنَّ هذا الذي قرأت لا يفيد الصحافي إلاَّ في شيء واحد فحسب، هو إحاطته عِلْماً بأنْ لا حقوق "حقيقية" لديه.
مَنْ هو "الصحافي"؟
لقد حاولت أن أعثر على "تعريف (قانوني)" له، أي للصحافي عندنا، فَلَم أعثر إلاَّ على ما أقنعني بأنَّ إجابة سؤال "مَنْ هو اليهودي؟"، وعلى صعوبتها، تظل أسهل، وأسهل كثيراً، من إجابته.
"التعريف"، إذا ما استوفى شروط عِلْميته، فإنَّه "يُثقِّف" عينيكَ، ويوسِّع ويُعمِّق رؤيتهما، فشتَّان ما بين قائلٍ "إذا كان كل الكلاب حيوانات، فهذا لا يعني، ويجب ألاَّ يعني، أنَّ كل الحيوانات كلاب"، وقائلٍ "كل الحيوانات كلاب؛ لأنَّ كل الكلاب حيوانات"!
"القانون"، الذي ينبغي للصحافي أن يقرأه حتى يعي "حقوقه"، وحتى يتمكَّن، بالتالي، من الدفاع عنها، إنَّما هو، في مجتمعنا، عِلْم وفن أنْ يؤخَذ من الصحافي باليسار ما يعطى له باليمين، فـ "الجُمْلَة القانونية"، التي يتعيَّن فيها "الحق"، إنَّما تتألَّف، دائماً، من نصفين، أحدهما من "نار" والآخر من "ماء"؛ وكلكم تَعْرِفون على خير وجه النتيجة الحتمية المترتِّبة على اجتماع "النار" و"الماء".
إنَّ "ولكن" هي العبارة التي فيها (وفي أشباهها وأخواتها) يكمن "القانون الأعظم" الذي ينبغي للصحافي أن يمتثل له ويخضع، فأنتَ، أيَّها الصحافي، وفي النصف غير البليغ من "الجُمْلَة القانونية"، أو حيث المعنى يفيد "الإثبات"، لكَ الحقُّ في..؛ أمَّا في نصفها البليغ، المُسْتَهَل بعبارة "ولكن"، فيقع "النفي"، فلا يبقى من هذا "الحق" إلاَّ ما لا يُبْقي على الصحافي صحافياً، فيَزْهَد صاحب الحق هذا عن حقِّه؛ لأنَّ في زهده عنه ما يشبه "درهم وقاية"، وما يجعله في مأمن من الشرور الكامنة في صندوق العبارة "ولكن"!
أسياد "اللعبة القانونية"، وأربابها، يخاطبون الصحافي، والصحافي المصاب بمرض "البلاهة القانونية" على وجه الخصوص، قائلين: "إنَّ لكَ الحقَّ في أن تقول..، وفي أن تفعل..؛ ولكن لنا الحق في أن نمنع عنكَ هذا الحق، بالتي هي أحسن (بعبارة "ولكن" مثلاً) أو بالتي هي أسوأ".
"الكُفْر" عندنا ليس كله "دينياً"، فبعضه "سياسي"، أي "كُفْر سياسي"؛ ويُعامَل "الكُفْر السياسي"، من الوجهة القانونية، بما يتَّفِق كل الاتِّفاق مع مبدأ "ناقل الكُفْر كافر"!
عملاً بهذا "المبدأ"، الذي يحتاج إلى أنْ تُسْتَحْدَث له محكمة تشبه "محاكم التفتيش"، ينبغي للصحافي ألاَّ "يسيء" إلى "أخلاق مهنته"، فَيَنْقُل، ولو "تنصيصاً"، أي بين قوسين مزدوجين، بعضاً من أقوال "أعداء"، فـ "الخمر" يُلْعَن حتى حامله وناقله!
وعملاً به، أيضاً، يُعامَل الصحافي "الناقِل"، ولو كان ضدَّ "المنقول"، أو ناقلاً له من أجل تفنيده ودحضه، على أنَّه "مؤلِّف" لهذا المنصَّص من الأقوال والآراء "المعادية"، أو "قائلٌ ضِمْني" بها، وكأنَّ أصحاب هذا "المبدأ" نسوا، أو يتناسوا، أنَّ ما كان ممكناً في "مجتمع (أو دولة) القرية" أصبح متعذراً، وربَّما مستحيلاً، في "القرية العالمية الكبرى".
وإنَّ أشد ما أدهشني وحيَّرني هو ذاك "القيد القومي الذهبي"، فالصحافي، الذي طلَّق "الحرِّية" ثلاثاً، وتزوَّج "غريمتها"، أي "الحرِّية المسؤولة"، ينبغي له ألاَّ يأتي بقول، أو يدلي برأي، أو يقف موقفاً، يمكن أن يتسبَّب بـ "الإساءة" إلى العلاقة مع دولة شقيقة، أو بـ "تعكير صفوها"!
لِنُحْسِن أوَّلاً فَهْم العلاقة بين "الدَّال" و"المدلول" في الكلمات، فإنَّهم يعيثون فساداً في معنى الكلمة، فـ "الدولة الشقيقة" ليست "الشعب الشقيق"، وإنَّما "الحكومة الشقيقة"، أو "نظام الحكم الشقيق".
وأنتَ يكفي أنْ تقرأ هذا "المحظور"، أو "المحرَّم"، وأن تقف على معانيه، حتى تظن (وبعض الظن إثم) أنَّ لسان الصحافي، أو قلمه، هو الذي يعيث فساداً في "العلاقة القومية الأخوية" بين الدول (أي الحكومات) العربية، فلو اختفى الصحافيون والإعلاميون العرب من الوجود لازدهرت "الرُّوح الأُسَرِّية" في العلاقة بين الدول العربية كافة، ولأصبحت "الوحدة القومية العربية" قاب قوسين أو أدنى من دنيا الحقائق الواقعة!
هل أتاكم حديث الإفك؟
إنَّه بعينه هذا الذي يقولون ويزعمون، فالساسة الكبار، أي القابضون بقبضات من حديد على زمام الحكم، هم الذين لا يعيشون إلاَّ في مناخ الأزمة التي تلد أزمة في العلاقة بين دولهم، التي ليس بينها من المصالح المشترَكة، ومن قوَّتها، إلاَّ ما يجعل تلك العلاقة، و"أخويتها"، كورق الشجر في الخريف.
إنَّهم، والحقُّ يقال، لا يختلفون، ولا يتَّفِقون، إلاَّ بما يعود بالضرر الحقيقي والكبير على شعوبهم، وإنْ كان في "ضارة" خلافهم ونزاعهم نافعةً للصحافيين والكتَّاب في سعيهم إلى توسيع الضيِّق من حقِّهم في حرِّية التعبير.
وإلى "الشقيق" من الدول، أضافوا "الصديق"، فتضاءلت الحرِّية الصحافية والإعلامية إذ استطالت قائمة الدول الشقيقة والصديقة!
ثمَّة مبدأ جيِّد تأخذ به صحف ومجلاَّت ومنابر إعلامية أخرى، يتضمَّنه القول التوضيحي الآتي: "إنَّ الآراء المنشورة لا تعبِّر بالضرورة عن وجهة نظر الصحيفة".
وإنَّني لأتمنى على دولنا العربية "الشقيقة" أن تتَّفِق على أنَّ المنشور من آراء "السلطة الرابعة" في كل دولة عربية لا يعبِّر بالضرورة عن وجهة نظر "السلطة التنفيذية"، فلا تأخذ دولة عربية "شقيقتها" بجريرة "السلطة الرابعة" فيها.
وأحسبُ أنَّ مبدأ "الفصل بين السلطات"، وعلى ما يكتنفه من أوهام، يجب أن يشمل "السلطة الرابعة"، فإنَّ "الوزير" لا "الصحافي" هو الذي يتحدَّث رسمياً باسم الدولة والحكومة، وإنَّ على دولنا العربية "الشقيقة" أن تعتاد عادة حسنة هي عادة فَهْم ومعاملة الصحافة على أنَّها "الضَرَّة" لجهة علاقتها بالحكومة.
المواقع الأثرية اليهودية.. قائمة تطول!
جواد البشيتي
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لن يعدم وسيلة لـ "إقناع" الفلسطينيين بأنَّ لدى إسرائيل من "المصالح والحاجات والحقوق" في الضفة الغربية (ولا سيما القدس الشرقية منها) ما يجعل ثقة السلطة الفلسطينية بجدوى وأهمية وضرورة الاستمساك بخيار الحل النهائي للمشكلة القومية للشعب الفلسطيني عبر التفاوض السياسي أقرب إلى الحماقة السياسية منها إلى الواقعية السياسية، وإلى الوهم منه إلى الحقيقة، وما يجعل الاستمساك الإسرائيلي






















