Yahoo!

فتوى الشيخ البراك!

كتبها جواد البشيتي ، في 3 آذار 2010 الساعة: 14:14 م

 

 
 
فتوى الشيخ البراك!
 
جواد البشيتي
 
إذا أردتم أنْ تقيسوا "درجة تحرُّر (وتحضُّر) المجتمع"، أيُّ مجتمع، فلا تقيسوها بموازين من قبيل "ميزان الانتخابات البرلمانية والرئاسية"، الذي به نقيس درجة تطوُّر، أو منسوب، "الديمقراطية"، و"الحرِّية"، في تلك الانتخابات؛ فهذا "الميزان"، وعلى أهميته، ليس بأهمية "الميزان" الذي به نقيس درجة تحرُّر المرأة، فإنَّ درجة تحرُّرها هي نفسها، تقريباً، درجة تحرُّر المجتمع بأسره، على أنْ نفهم "الحرِّية"، أكانت حرِّية المرأة أم حرِّية الرجل، على أنَّها نَفْيٌ لـ "الإباحية"، أي التحلُّل من كل قيد أخلاقي (وغير أخلاقي) تحتاج إليه كل حرِّية حقيقية.
 
أمَّا ما حَمَلَني على قول هذا فهو "فتوى جديدة"، أصدرها الشيخ السلفي السعودي د. عبد الرحمن البراك (77 عاماً) وأحلَّ فيها قَتْل "مَنْ يبيح الاختلاط (في العمل والتعليم) بين الجنسين، مُعْتَبِراً إيَّاه "مرتدَّاً كافِراً (ويجب قتله بالتالي)".
 
الشيخ، في فتواه، وَصَفَ "الذي يسمح لأخته أو زوجته بالعمل، أو الدراسة، مع الرجال" بأنَّه "ديوث"؛ و"الديوث" من الرجال هو القواد على أهله، والذي لا يغار عليهم، ولا يخجل.
 
"المفتي"، تعريفاً، هو مختص بـ "الإفتاء"، يجيب دينياً (أي إسلامياً) عمَّا يشكل ويلتبس من أمور ومسائل في حياة الناس (الفرد أو الجماعة) المؤمنين، مبيِّناً لهم "الحُكْم الشرعي"؛ و"المفتي"، صفةً، هو، وبحسب ابن القيم، مُبْلِغٌ عن الله، وعن الرسول، أي أنَّ الرأي الذي يدلي به (أو الفتوى التي يُخْرجها) يجب، ولو من حيث النيَّة والقصد، أن يكون مِمَّا يُقرُّه الله ورسوله.
 
و"الفتوى"، مهما كانت منزلة مُخْرِجها، ودرجة أهليته؛ ولو كانت محل إجماع بين أهل الإفتاء، تظل رأياً لصاحبها، يصحُّ فيه قول الإمام الشافعي: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".
 
و"الأجرأ على الإفتاء"، على ما قال الرسول، "أجرأ على النار"؛ فإذا أراد "المفتي" أن يقي نفسه عذاب النار فإنَّ عليه أن يزن كل كلمة يقولها في فتواه، وأن يجتهد في جعلها، على ما يُقدِّر في نهاية مطافه الطويل الشاق، مستوفيةً لشروط نيله الثواب، وإلاَّ وجب عليه أن يكون "مفتياً سلبياً"، أي أن يقول "لا أعلم"، فإنَّ "من قال لا أعلم فقد أفتى".
 
و"الفتوى"، في بعض من أهم معانيها الدينية الإسلامية، يجب أن تكون بِنْتاً للحياة، والعصر، والواقع، فأهميتها وشرعيتها تُسْتَمدَّان أيضاً من ظرفي الزمان والمكان، ومن الحياة الواقعية للناس، بما تخلقه لهم من مصالح واقعية حقيقية، وبما تولِّده فيهم، ولديهم، من احتياجات واقعية حقيقية، ومتغيِّرة، فالدين كلمَّا أجاب عن الأسئلة بما ينفع الناس، ويلبِّي احتياجاتهم، ويمكِّنهم من العيش بما يوافِق زمانهم ومكانهم، وبما يراعي اختلاف ظرفي الزمان والمكان، تأصَّل في نفوسهم أكثر، وعَظُم ظهوره في سلوكهم وتصرُّفهم.
 
لا بدَّ من قول ذلك؛ لأنَّ الناس في المجتمع المسلم في ميل متزايدٍ إلى طلب الفتاوى؛ وهذا الميل هو جزء من ميلهم الأوسع إلى أن يزنوا كل تصرُّف (فردي أو جماعي) بميزان الحلال والحرام، فتلوين كل منحى من مناحي حياة الأفراد والجماعات بلون الدين الإسلامي، والذي هو شمولي الطبيعة، هو ما يستبدُّ بتفكير كثير من الناس، أو أكثريتهم.
 
ومن هذه "الحاجة السلوكية ـ الدينية" التي في اشتداد وتعاظم، يَنْفُذ إلى عقول الناس كثيرٌ من المُغْرضين في "فتاواهم"، والمتَّجرين بها، والذين، عن وعيٍ أو عن جهلٍ، يريدون لفتاواهم أن تكون مُسيِّراً لكثيرٍ من المسلمين (والشباب منهم على وجه الخصوص) بما تشتهي مصالح وأهداف قوى تلبس لبوس الدين توصُّلاً إلى سَتْر عدائها للشعوب الإسلامية، بمصالحها وحاجاتها الواقعية الحقيقية غير الوهمية.
 
في فتاواهم تَصْغُر العظائم، وتَعْظُم الصغائر، فالأمور والمسائل التي تضرب جذورها عميقاً في المصالح والحاجات العامة والأساسية للمسلمين، أفراداً وجماعات، لا مكان لها في فتاواهم على فيضها وكثرتها وتكاثرها؛ فلم نسمع قط أنَّ أهل الإفتاء قد توفَّروا على إخراج فتوى يؤكِّدون فيها للعامة من المسلمين أنَّ الديمقراطية ليست من الكفر في شيء، إنْ لم تكن من الإيمان، وكأنَّ لهم مصلحة تقضي بالتصالح مع ذوي المصلحة في إبقاء شعوبنا ومجتمعاتنا بمنأى عن الديمقراطية بخيرها وشرِّها.
 
فتاواهم إنَّما هي لتعظيم الصغائر؛ وكيف لها أن تكون غير ذلك وأصحابها لا ينطقون إلاَّ عن هوى مصالح صغيرة لهم، تهوي بنا، إذا ما صدَّقناها، وأخذنا بها، إلى الدرك الأسفل من النار التي يُعدُّونها لنا بالتعاون مع قوى جُبِلَت على العداء لحقوقنا الديمقراطية، ولقضايانا ومصالحنا القومية؟!
 
إنَّ أحداً منهم لم يجرؤ على أن يفتي بما يسمح بتذليل العقبات من طريق قيام صحافة حرَّة في الدول العربية؛ ولكنه لم يخجل من أن يمتثل لمشيئة شياطين الاستبداد، وأن يصنع لهم فتوى يبيح لهم فيها "جلد الصحافي" الذي ينشر أخباراً غير صحيحة، أو تُشهِّر بوزراء ونوَّاب..
 
حتى تحرير المرأة، وتحرير العلاقة بين نصفي المجتمع، بما يرفع منسوب الحرية في المجتمع، ويزاوِج بين تديُّنه وتحضُّره، لم تشمله الفتاوى إلاَّ بما يؤدِّي إلى رفع منسوب الرذيلة، فالمرأة، بحسب "فتوى إرضاع الكبير"، ينبغي لها أن تُرْضِع زميلها في العمل (والذي تعمل معه في غرفة واحدة) خمس رضعات، فيصبح، بالتالي، محرَّماً عليها، فتكشف عن شعرها وتَخْلع الحجاب أمامه؛ وتتحوَّل "الخلوة"، بحسب تلك "الفتوى"، من "غير شرعية" إلى "شرعية". "الرذيلة"، بحسب "فتوى" الدكتور عزت عطية، رئيس قسم الحديث في كلية أصول الدين في جامعة الأزهر، والذي أثبت أنَّه مُرْضِعة لفساد أخلاقي عظيم، إنَّما هي "الاختلاط" بين الجنسين في العمل؛ أمَّا "الفضيلة" فهي أن تكشف المرأة لزميلها (ولكثيرٍ من زملائها من ثمَّ) عن صدرها لترضعه خمس رضعات (لا أكثر ولا أقل)!
 
جمال البنا، الذي يوصف بأنَّه "مفكِّر إسلامي"، أراد أن يحل مشكلة "الطرف الثالث"، وهو إبليس، فالمرأة والرجل (من غير المتزوِّجين، أو من غير المحارم) ما أن ينفردا في خلوة حتى يصبح ثالثهما إبليس، فيزيِّن لهما الرذيلة وارتكاب الحرام. لقد حلَّها إذ حلَّل القبلات بين الجنسين في الأماكن العامة، أي على مرأى من الناس، ففي المكان العام يُحَلَّل ما يُحرَّم في الخلوة، التي هي أيضاً محرَّمة!
 
حتى "الشيخ" نزار قباني لم يجرؤ على قول ما قاله "المفكِّر الإسلامي" جمال البنا، فقصارى قوله كان "إذا ما اجتمع رجل وامرأة خرج الشيطان"!
 
أمَّا أعظمهم شأناً ومكانةً في دنيا الإفتاء إلا وهو مفتي مصر الدكتور علي جمعة، والذي لم يُفْتِ قط إلاَّ بما يقيم الدليل على أنَّه علينا، وليس مِنَّا، فلم يَجِد من أمرٍ يستحق أن يُخْرِج فيه فتوى سوى "بول الرسول"، ففتى بـ "التبرُّك ببول الرسول"، ضارباً صفحاً عن حقيقة أنَّ الرسول بشر، وعن الآية "قل إنَّما أنا بشر مثلكم".
 
هذا المفتي ختموا على فمه، فلم يرَ ما يستدعي أن يُخْرِج فتوى يُحرَّم فيها أن يشارِك أي مسلم في الحصار الإسرائيلي (والدولي) المضروب على المسلمين، وعلى أطفالهم على وجه الخصوص، في قطاع غزة، وكأنَّه فضَّل أن يرى في جوعهم، وتجويعهم، امتحاناً لصلابة وقوَّة إيمانهم!
 
إننا في "عصر السرعة"؛ ولكننا لم نرَ من أثرٍ لهذه السمة لعصرنا إلاَّ في "الوجبات السريعة"، وفي "الفتاوى السريعة"، التي يطهونها لنا شيوخ الفضائيات في دقائق معدودات، لعلَّ المتضورين جوعاً إلى الفتاوى من أبناء مجتمعنا "يهتدون"!
 
 
 
الحاسَّة الصحافية
 
جواد البشيتي
 
الصحافي يملك ما يملكه سائر البشر من حواس، هي الحواس الخمس (البصر والسمع والذوق والشم واللمس). ولكنَّه، وإذا ما أراد أن يكون صحافياً حقيقياً، يجب أن يملك ما يسمَّى "الحاسَّة الصحافية"، والتي هي جزء من كلٍّ، يمكن تسميته "الحاسَّة المهنية"، فهناك، مثلاً، "الحاسَّة السياسية"، التي ينبغي لرجل السياسة أن يملكها، و"الحاسَّة الأمنية"، التي ينبغي لرجل الأمن أن يملكها.
 
و"الحاسَّة الصحافية"، لجهة وجودها، وقوَّة وجودها، في الصحافي، إنَّما هي شيء يكتسبه الصحافي اكتساباً، إذا ما قَوِيَ في نفسه الدافع أو الحافز إلى اكتسابه.
 
ولا شكَّ في أنَّ للصحيفة التي يعمل فيها، إذا ما أرادت أن تَكْبَر بصحافييها، دوراً مهمَّاً في مساعدة الصحافي في تطوير وتقوية حاسَّته الصحافية، وفي تدريبه على ذلك، فإنَّ من الأهمية بمكان للصحيفة أن يكون لديها صحافي يرى ما لا يراه غيره من الناس الذين يَنْظُر معهم إلى الشيء نفسه، ويسمع ما لا يسمعه غيره مِمَّن يشاركونه الاستماع إلى الكلام نفسه.
 
و"التدريب" الذي أتينا على ذكره، قد يكون من قبيل أن تُزوِّد الصحيفة الصحافي ـ الذي أرسلته في مهمة صحافية، يُقاس نجاحها، وتُعْرَف أهميتها، من خلال "الخبر" الذي يأتيها به ـ طائفة من "الأسئلة الحسِّية"، أي التي تقود وتوجِّه عينيه، مثلاً، أو في المقام الأوَّل، فيرى، من خلال سعيه إلى إجابتها، ما ينبغي له أن يراه من أشياء وتفاصيل، كان ممكناً ألاَّ يقع عليها بصره، إذا لم يكن مزوَّداً تلك الأسئلة، ولو وقعت في مدى بصره.
 
إنَّ "الخبر"، إذا ما أحْسَنَّا فهمه، أو إذا ما فهمناه على حقيقته، هو "الغاية" التي تنشدها كل صحيفة، لديها من الحرِّية في النشر ما يقوِّي فيها الدافع أو الحافز إلى البحث والتنقيب عن "الخبر"، وإلى "صنعه"؛ وليس "الخبر" سوى "المعلومة" الجديدة الجيِّدة، فـ "الجديد" لا أهمية له إذا لم يكن "مفيداً"، من وجهة نظر عامَّة ما؛ و"المفيد" لا يظل كذلك إذا لم يكن "جديداً".
 
وأحسبُ أنَّ "الحاسَّة الصحافية" المحسَّنة والمُطوَّرة هي "الأداة" الفضلى للبحث والتنقيب عن "الخبر"، ولـ "صنعه".
 
والسؤال الذي باجابتنا له نتبيَّن وزن وأهمية ودرجة تطوُّر "الحاسَّة الصحافية" إنَّما هو "كم رأيْتَ.. وماذا رأيْتَ؟"؛ فـ "الحاسَّة الصحافية" لا وجود لها في صحافي له عين لا تُبْصِر، وأُذْنٌ لا تسمع.
 
والصحافي الذي طوَّر، وعَرَفَ كيف يُطوِّر، حاسَّته الصحافية، هو الذي قادته تجربته وخبرته إلى استنتاج في منتهى الأهمية، مؤدَّاه أنْ ليس من أمْرٍ غير مهمٍّ إلاَّ في نظر صحافي غير مهتم؛ فالصحافي ذو الحاسَّة الصحافية القوية إنَّما هو الذي "يكتشف" معاني كبيرة في الأمور والشؤون الصغيرة، أو التي تبدو لغيره صغيرة.
 
ولكن، ما السبيل إلى اكتساب الصحافي "الحاسَّة الصحافية"؟
 
في الإجابة عن هذا السؤال، أقول معتقِداً إنَّ "يقظة" الحواس، ولا سيَّما البصر منها، وامتلاك "المفهوم"، هما الشيء الأهم في سعي الصحافي إلى اكتساب هذه الحاسَّة.
 
إنَّ العين التي ترى هي العين المفتوحة؛ ولكن ليست كل عين مفتوحة ترى، فتجربتنا الحسِّية تُعلِّمنا أنَّ العين غير اليقظة، "النائمة"، التي يعيث في عملها فساداً كسل الذهن وخموله وشروده، أو انشغاله وإشغاله بأمور وأشياء ليست بذي أهمية "الآن"..، هي عين لا تُبْصِر وإنْ أبصرت، أي لا ترى ما ينبغي لها أن ترى من الحادث أو الواقعة أو المشهد..
 
ولكنَّ العينين، وعلى أهميتهما، وأهمية يقظتهما، لن تتَّسِع رؤيتهما، وتتعمَّق، وتغتني، وتَكْتَمِل، إلاَّ بـ "العين الثالثة"، الموجودة في داخل الرأس، وهي "عين الخبرة والتجربة والثقافة.."، أي "المفهموم".
 
من "الإحساس"، بأنماطه وأنواعه الخمسة، يُوْلَد "المفهوم"، الذي بفضله يتطوَّر "الإحساس"، وكأنَّ "المفهوم" هو الحاسَّة التي بها يتعمَّق الإحساس، ويتعمَّق المرء في رؤية ما تراه عيناه.
 
"المفهوم" إنَّما هو "العام" وقد رأته "عين" العقل في "الخاص"، الذي تراه العين، فإذا أنتَ ذهبْتَ إلى مدينة البتراء في زيارة سياحية، وكنتَ لا تعرف شيئاً من عِلْم الآثار، أو عن حضارة الأنباط، فإنَّكَ لن ترى إلاَّ صخوراً، أو مدينة منحوتة في الصخر الوردي اللون؛ ولا شكَّ في أنَّكَ ستفضِّل عندئذٍ السياحة الصديقة للمعدة والبطن (سياحة المطاعم) على الزيارات السياحية للمواقع الأثرية.
 
أمَّا لو كنتَ على معرفة تاريخية وحضارية وأثرية جيِّدة، أي لو كنتَ تملك "المفهوم"، أو "العين الثالثة"، لرأيْتَ أكثر كثيراً ممَّا تراه عيناكَ، ولأدركْتَ، عندئذٍ، أنَّ الحواس تحتاج إلى الثقافة والتثقيف، فشتَّان ما بين العين "المثقَّفة" بالشيء الذي تراه والعين "الأُمِّية".
 
إذا كان البصر يخبرنا باللون مثلاً، والسمع بالصوت، والذوق بالطعم، والشمُّ بالرائحة، واللمس بالخشونة أو النعومة مثلاً، فإنَّ "العين الثالثة" تخبرنا بالمعنى الذي ينطوي عليه المحسوس.
 
بـ "يقظة الحواس"، و"العين الثالثة"، عين الخبرة والتجربة، يملك الصحافي حاسَّته المهنية، أي "الحاسَّة الصحافية"، والتي تُؤكِّد وجودها وفاعليتها من خلال صعوده في "سُلَّم الأسئلة"، فهو ما أن يُسجِّل إجابته عن سؤالي "أين؟"، و"متى؟"، حتى يشرع يصعد في ذاك السُّلَّم، توصُّلاً إلى إجابة سؤال "ماذا حدث؟"، ثمَّ سؤال "كيف حدث هذا الذي حدث؟"، ثمَّ سؤال "لماذا حدث؟"، والذي ما أن يسعى في إجابته، ويتوصَّل إليها، حتى يدرك أهمية وضرورة امتلاكه وتطويره لـ "الحاسَّة الصحافية".
 
 
 
 
بيان اليأس!
 
جواد البشيتي
 
إنَّها "وثيقة اليأس".. اليأس الجيِّد والمفيد والضروري للفلسطينيين، وقضيتهم القومية، أو إلى ما بقي من هذه القضية حتى الآن؛ أمَّا اسمها، بعد صفتها تلك، فهو "وثيقة عريقات"، التي نشرت "هآرتس" الإسرائيلية بعضاً من محتواها.
 
ولقد فضَّل صاحب الوثيقة، صاحب صفة "كبير المفاوضين الفلسطينيين"، أن يصف "الخيار الثالث"، الذي تضمَّنته وثيقته، وهو خيار "الدولة الواحدة ثنائية القومية في أرض فلسطين التاريخية (ما بين البحر المتوسط ونهر الأردن)"، بأنَّه الخيار الذي لا مفرَّ، ولا مهرب، ولا مناص، منه، أي الذي لا بدَّ منه.
 
وهذا "الخيار التاريخي والإستراتيجي الجديد (أي القديم في حُلَّة جديدة)" ليس بذي أهمية سياسية عملية واقعية، من وجهة نظر صاحب الوثيقة، إلاَّ إذا أدَّى شهره على حكومة نتنياهو وإدارة الرئيس أوباما، على وجه الخصوص، إلى تحقيق "الهدف التاكتيكي" الكامن في أساسه، وهو استئناف مفاوضات السلام مع إسرائيل من النقطة التي انتهت إليها في عهد الحكومة الإسرائيلية السابقة، وإدارة الرئيس بوش، وكأنَّ ما تحقَّق من "تفاهم" بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي من قبل، والذي لم نُحَطْ به علماً، حتى الآن، بما يكفي لتمييز غثِّه من سمينه، يُعَدُّ أساساً جيِّداً (للعودة إلى طاولة المفاوضات) من وجهة النظر الفلسطينية، وأفضل بكثير مِمَّا يمكن أن يحقِّقه الرئيس أوباما للفلسطينيين الذين نجح أوباما في إقناعهم (سريعاً) بأنَّه غير جدير بثقتهم.
 
وتوضيحاً لا بدَّ منه، نقول إنَّ حكومة نتنياهو ما زالت تأبى استئناف المفاوضات من تلك النقطة التي انتهت إليها؛ لأنَّها تَسْتَكْثِر أنْ يُتَرْجَم "حق العودة"، إسرائيلياً، بعودة نحو 150 ألف لاجىء فلسطيني فقط إلى إسرائيل، ولو على مدى 10 سنوات (15 ألف لاجىء كل سنة)!
 
وعلى أهمية حل مشكلة ملايين اللاجئين الفلسطينيين، لم يوضِّح عريقات لهؤلاء، في وثقيته، صلتهم بـ "الخيار الثالث"، فهل "الدولة الواحدة ثنائية القومية" هي الدولة التي تتَّسع (سياسياً في المقام الأوَّل) لنحو 10 ملايين فلسطيني، أم هي التي تضيق (سياسياً أيضاً) باللاجئين الفلسطينيين، فلا تَضُم في "قوميتها الثانية"، أو في "القومية الفلسطينية"، إلاَّ الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة؟!
 
"الدولة الواحدة ثنائية القومية" إنَّما تعني، إذا ما قامت، بعد، وبفضل، هدم "حق العودة"، أن تَقْبَل "القومية الفلسطينية"، التي فقدت الجزء الأكبر من وزنها الديمغرافي، العيش في الإقليم الجديد لدولة إسرائيل (ما بين البحر والنهر) على أنْ تُعرِّف هذه الدولة نفسها على أنَّها دولة ثنائية القومية، يتساوى فيها في الحقوق "المواطن الإسرائيلي، اليهودي الأصل" و"المواطن الإسرائيلي، العربي (أو الفلسطيني) الأصل"، وكأنَّ "الصفقة" هي أن يبقى "الاسم"، أي "دولة إسرائيل"، في مقابل أن تتغيَّر "الصفة"، أي "يهودية" إسرائيل.
 
"المفاوِض" الفلسطيني لم يستطع الحصول على دولة مستقلة ذات سيادة، يشمل إقليمها "الأراضي الفلسطينية" التي تحتلها إسرائيل منذ 1967، مع تعديل طفيف للحدود، وتبادل طفيف للأراضي، وتتَّخِذ من القدس الشرقية (أو من الممكن استعادته منها) عاصمة لها، ويقترن قيامها بحلٍّ نهائي (متَّفَق عليه بين الطرفين) لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وبما يوافِق مبدأ "دولة فلسطينية للشعب الفلسطيني بأسره"، فاستبدَّ به الشعور بالعجز حتى شهر على إسرائيل هذا "الخيار الثالث"، الذي يكفي أن نحذف منه "الرقم" حتى يصح وصفه بأنَّه "خيار من لا خيار لديه"!
 
وهذا "الخيار"، الذي ليس بـ "خيار"؛ لأنَّه "وليد الاضطِّرار"، إنَّما هو التتمة المنطقية لهذا التحوُّل في "السياسة الفلسطينية" من "الخيار الإيجابي" إلى "الخيار السلبي"، الذي عرفنا من صوره حتى الآن "خيار لا عودة إلى طاولة المفاوضات قبل أنْ..، ولا عودة، في الوقت نفسه، إلى العنف (أي المقاومة بالحديد والنار)"، و"خيار لا للمفاوضات، جملةً وتفصيلاً، ولا لإنهاء الهدنة".
 
على أنَّ هذا الذي قلنا في أمر "الخيار الثالث"، و"وثيقة عريقات"، لا ينفي، بل يؤكِّد، أهمية وضرورة الإقرار بانطاوئها على نواة عقلاتية وواقعية هي فكرة "حل السلطة الفلسطينية"، وإلغاء "أوسلو"، وإنهاء "التعاون الأمني" مع إسرائيل، وحل قوى الأمن الفلسطينية، و"توديع دايتون" وداع هرقل للشام، والتأسيس لوضع في الضفة الغربية يضطَّر إسرائيل إلى استئناف حكمها العسكري للضفة وأهلها.
 
ولكن، هل تجرؤ السلطة الفلسطينية على حلِّ نفسها؟
 
وإنَّها لكارثة كبرى تصيب الشعب الفلسطيني وقضيته القومية أن يأتي الواقع بما يقيم الدليل على أنَّ السلطة الفلسطينية لم يبقَ لديها من "السلطة" و"السيادة" ما يفي بهذا الغرض، وهو أنْ تجرؤ على أن تقول "لا" لبقائها، الذي هو بقاء لا يبقي على شيء من القضية القومية للشعب الفلسطيني.
 
ولو لم يكن قرار، أو خيار، حل السلطة الفلسطينية مفيداً وضرورياً للشعب الفلسطيني وقضيته القومية لَمَا ظَهَر على هيئة سلاح تشهره السلطة الفلسطينية نفسها على إسرائيل والولايات المتحدة!
 
"وثيقة عريقات" إنَّما هي "بيان اليأس واليائس والميؤس منه"!
 
 
 
قانون "ولكن"!
 
جواد البشيتي
 
ثمَّة مرض يُدْعى "البلاهة القانونية"، ينتشر على وجه الخصوص في كل مجتمع حديث العهد بالحياة الديمقراطية وتقاليدها، كمجتمعنا، ويصيب حتى (أو في المقام الأوَّل) الصحافيين والإعلاميين وسائر أهل الفكر والقلم، فـ "التجربة الحقوقية" التاريخية والعالمية علَّمَتْنا أمراً في منتهى الأهمية، هو أنَّ مَنْ لا يعي حقوقه لا يمكنه أبداً الدفاع عنها، وأنَّ الجاهل بالقانون عدو نفسه، فـ "القانون" وإنْ كان "عادلاً" فإنَّه لا يرحم ضحايا الجهل به.
 
ومن أعراض مرض "البلاهة القانونية" أنَّ المصاب به يتوهَّم أنَّ القانون يعلو ولا يُعْلى عليه، وأنَّ المتحصِّن به لا خوف عليه، وأنَّ المواطنين كافة سواسية عنده كأسنان المشط، لا فرق بين مواطن ومواطن إلاَّ بمخافته والتزامه واحترامه.
 
بصفة كوني كاتباً صحافياً، ومؤمناً (حتى الكفر) بأنَّ في الاتِّحاد قوَّة، ولو كان المتِّحِدون من ألسنة وأقلام الصحافة والإعلام، ولو كان اتِّحادهم على شكل "نقابة"، اضطُّرِرتُ إلى أن أقرأ ما تيسَّر لي من "حقوقي القانونية"، أي من حقوقي التي يُقرِّها "القانون"، فهالني ما قرأت، وما فهمت، وكأنَّ هذا الذي قرأت لا يفيد الصحافي إلاَّ في شيء واحد فحسب، هو إحاطته عِلْماً بأنْ لا حقوق "حقيقية" لديه.
 
مَنْ هو "الصحافي"؟
 
لقد حاولت أن أعثر على "تعريف (قانوني)" له، أي للصحافي عندنا، فَلَم أعثر إلاَّ على ما أقنعني بأنَّ إجابة سؤال "مَنْ هو اليهودي؟"، وعلى صعوبتها، تظل أسهل، وأسهل كثيراً، من إجابته.
 
"التعريف"، إذا ما استوفى شروط عِلْميته، فإنَّه "يُثقِّف" عينيكَ، ويوسِّع ويُعمِّق رؤيتهما، فشتَّان ما بين قائلٍ "إذا كان كل الكلاب حيوانات، فهذا لا يعني، ويجب ألاَّ يعني، أنَّ كل الحيوانات كلاب"، وقائلٍ "كل الحيوانات كلاب؛ لأنَّ كل الكلاب حيوانات"!
 
"القانون"، الذي ينبغي للصحافي أن يقرأه حتى يعي "حقوقه"، وحتى يتمكَّن، بالتالي، من الدفاع عنها، إنَّما هو، في مجتمعنا، عِلْم وفن أنْ يؤخَذ من الصحافي باليسار ما يعطى له باليمين، فـ "الجُمْلَة القانونية"، التي يتعيَّن فيها "الحق"، إنَّما تتألَّف، دائماً، من نصفين، أحدهما من "نار" والآخر من "ماء"؛ وكلكم تَعْرِفون على خير وجه النتيجة الحتمية المترتِّبة على اجتماع "النار" و"الماء".
 
إنَّ "ولكن" هي العبارة التي فيها (وفي أشباهها وأخواتها) يكمن "القانون الأعظم" الذي ينبغي للصحافي أن يمتثل له ويخضع، فأنتَ، أيَّها الصحافي، وفي النصف غير البليغ من "الجُمْلَة القانونية"، أو حيث المعنى يفيد "الإثبات"، لكَ الحقُّ في..؛ أمَّا في نصفها البليغ، المُسْتَهَل بعبارة "ولكن"، فيقع "النفي"، فلا يبقى من هذا "الحق" إلاَّ ما لا يُبْقي على الصحافي صحافياً، فيَزْهَد صاحب الحق هذا عن حقِّه؛ لأنَّ في زهده عنه ما يشبه "درهم وقاية"، وما يجعله في مأمن من الشرور الكامنة في صندوق العبارة "ولكن"!
 
أسياد "اللعبة القانونية"، وأربابها، يخاطبون الصحافي، والصحافي المصاب بمرض "البلاهة القانونية" على وجه الخصوص، قائلين: "إنَّ لكَ الحقَّ في أن تقول..، وفي أن تفعل..؛ ولكن لنا الحق في أن نمنع عنكَ هذا الحق، بالتي هي أحسن (بعبارة "ولكن" مثلاً) أو بالتي هي أسوأ".
 
"الكُفْر" عندنا ليس كله "دينياً"، فبعضه "سياسي"، أي "كُفْر سياسي"؛ ويُعامَل "الكُفْر السياسي"، من الوجهة القانونية، بما يتَّفِق كل الاتِّفاق مع مبدأ "ناقل الكُفْر كافر"!
 
عملاً بهذا "المبدأ"، الذي يحتاج إلى أنْ تُسْتَحْدَث له محكمة تشبه "محاكم التفتيش"، ينبغي للصحافي ألاَّ "يسيء" إلى "أخلاق مهنته"، فَيَنْقُل، ولو "تنصيصاً"، أي بين قوسين مزدوجين، بعضاً من أقوال "أعداء"، فـ "الخمر" يُلْعَن حتى حامله وناقله!
 
وعملاً به، أيضاً، يُعامَل الصحافي "الناقِل"، ولو كان ضدَّ "المنقول"، أو ناقلاً له من أجل تفنيده ودحضه، على أنَّه "مؤلِّف" لهذا المنصَّص من الأقوال والآراء "المعادية"، أو "قائلٌ ضِمْني" بها، وكأنَّ أصحاب هذا "المبدأ" نسوا، أو يتناسوا، أنَّ ما كان ممكناً في "مجتمع (أو دولة) القرية" أصبح متعذراً، وربَّما مستحيلاً، في "القرية العالمية الكبرى".
 
وإنَّ أشد ما أدهشني وحيَّرني هو ذاك "القيد القومي الذهبي"، فالصحافي، الذي طلَّق "الحرِّية" ثلاثاً، وتزوَّج "غريمتها"، أي "الحرِّية المسؤولة"، ينبغي له ألاَّ يأتي بقول، أو يدلي برأي، أو يقف موقفاً، يمكن أن يتسبَّب بـ "الإساءة" إلى العلاقة مع دولة شقيقة، أو بـ "تعكير صفوها"!
 
لِنُحْسِن أوَّلاً فَهْم العلاقة بين "الدَّال" و"المدلول" في الكلمات، فإنَّهم يعيثون فساداً في معنى الكلمة، فـ "الدولة الشقيقة" ليست "الشعب الشقيق"، وإنَّما "الحكومة الشقيقة"، أو "نظام الحكم الشقيق".
 
وأنتَ يكفي أنْ تقرأ هذا "المحظور"، أو "المحرَّم"، وأن تقف على معانيه، حتى تظن (وبعض الظن إثم) أنَّ لسان الصحافي، أو قلمه، هو الذي يعيث فساداً في "العلاقة القومية الأخوية" بين الدول (أي الحكومات) العربية، فلو اختفى الصحافيون والإعلاميون العرب من الوجود لازدهرت "الرُّوح الأُسَرِّية" في العلاقة بين الدول العربية كافة، ولأصبحت "الوحدة القومية العربية" قاب قوسين أو أدنى من دنيا الحقائق الواقعة!
 
هل أتاكم حديث الإفك؟
 
إنَّه بعينه هذا الذي يقولون ويزعمون، فالساسة الكبار، أي القابضون بقبضات من حديد على زمام الحكم، هم الذين لا يعيشون إلاَّ في مناخ الأزمة التي تلد أزمة في العلاقة بين دولهم، التي ليس بينها من المصالح المشترَكة، ومن قوَّتها، إلاَّ ما يجعل تلك العلاقة، و"أخويتها"، كورق الشجر في الخريف.
 
إنَّهم، والحقُّ يقال، لا يختلفون، ولا يتَّفِقون، إلاَّ بما يعود بالضرر الحقيقي والكبير على شعوبهم، وإنْ كان في "ضارة" خلافهم ونزاعهم نافعةً للصحافيين والكتَّاب في سعيهم إلى توسيع الضيِّق من حقِّهم في حرِّية التعبير.
 
وإلى "الشقيق" من الدول، أضافوا "الصديق"، فتضاءلت الحرِّية الصحافية والإعلامية إذ استطالت قائمة الدول الشقيقة والصديقة!
 
ثمَّة مبدأ جيِّد تأخذ به صحف ومجلاَّت ومنابر إعلامية أخرى، يتضمَّنه القول التوضيحي الآتي: "إنَّ الآراء المنشورة لا تعبِّر بالضرورة عن وجهة نظر الصحيفة".
 
وإنَّني لأتمنى على دولنا العربية "الشقيقة" أن تتَّفِق على أنَّ المنشور من آراء "السلطة الرابعة" في كل دولة عربية لا يعبِّر بالضرورة عن وجهة نظر "السلطة التنفيذية"، فلا تأخذ دولة عربية "شقيقتها" بجريرة "السلطة الرابعة" فيها.
 
وأحسبُ أنَّ مبدأ "الفصل بين السلطات"، وعلى ما يكتنفه من أوهام، يجب أن يشمل "السلطة الرابعة"، فإنَّ "الوزير" لا "الصحافي" هو الذي يتحدَّث رسمياً باسم الدولة والحكومة، وإنَّ على دولنا العربية "الشقيقة" أن تعتاد عادة حسنة هي عادة فَهْم ومعاملة الصحافة على أنَّها "الضَرَّة" لجهة علاقتها بالحكومة. 
 
 
 
المواقع الأثرية اليهودية.. قائمة تطول!
 
جواد البشيتي
 
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لن يعدم وسيلة لـ "إقناع" الفلسطينيين بأنَّ لدى إسرائيل من "المصالح والحاجات والحقوق" في الضفة الغربية (ولا سيما القدس الشرقية منها) ما يجعل ثقة السلطة الفلسطينية بجدوى وأهمية وضرورة الاستمساك بخيار الحل النهائي للمشكلة القومية للشعب الفلسطيني عبر التفاوض السياسي أقرب إلى الحماقة السياسية منها إلى الواقعية السياسية، وإلى الوهم منه إلى الحقيقة، وما يجعل الاستمساك الإسرائيلي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

“فالنتياين”.. عيدٌ للتُّجار أم للعشَّاق؟!

كتبها جواد البشيتي ، في 3 آذار 2010 الساعة: 14:10 م

 

 
 
"فالنتياين".. عيدٌ للتُّجار أم للعشَّاق؟!
 
جواد البشيتي
 
عشَّاق العالم من الجنسين احتفلوا أمس بما تواضع صُنَّاع ومخترعو الأعياد على تسميته "عيد الحب"؛ أمَّا "التجَّار"، المتَّجِرون بما يَصْلُح للاستهلاك الرومانسي، والذين (مع ممثِّلي مصالحهم في الإعلام وغيره) يجتهدون دائماً، وفي أوقات الركود التجاري على وجه الخصوص، في اختراع وابتكار كل ما من شأنه تشجيع وحَمْل المستهلِكين على مزيدٍ من الإنفاق المالي، فكانوا المستفيد الأعظم من هذا "العيد"، الذي لم يخترعه القديس فالنتاين، وإنْ سُمِّي باسمه.
 
التاجر، على وجه العموم، يملك ميزانين، أحدهما الميزان التجاري العادي الذي به يَزِن بضائعه، والآخر مُشْتَقٌّ من الأوَّل، ويَزِن به الأفكار والعقائد والقيم الأخلاقية.. وحتى الأمور السياسية، فالخير كل الخير في ما يُرْبي تجارته، وإنْ لم يُفْصِح دائماً عن "عقيدته السرِّية" هذه، والتي فيها يتصوَّر "عيد الحب" على أنَّه نعمة وبركة، وإنْ هو، لمصلحة أخرى أقل أهمية، وقَفَ، في العلن، موقفاً مختلفاً أو مضاداً.
 
إذا تَحلَّيْتُ بفضيلة "سوء الظن"، وأخذتُ بشيء من نظرية "المؤامرة" في التفسير والتعليل، فربَّما أتَّهِم "لوبي كبار التُّجار" بأنَّهم، في فصل الشتاء، يدفعون في اتِّجاه جَعْل "التنبؤ" في نشرة الأحوال الجوية مفيداً لمصالحهم التجارية، كأن يكون سبباً في زيادة إقبال الناس على شراء ما يدرأ عنهم مخاطر "منخَفَضٍ جوي"، يتأكَّد، بعد تحقُّق الغرض التجاري، أنَّه كان كجبلٍ تمخَّض فولد فأراً.
 
إنَّهم يتحيَّنون كل عيد (حتى "عيد الأُم") فيَنْشَط الإعلام، ومعه "الإعلان التجاري"، في حضِّ المستهلِكين على مزيدٍ من الإنفاق المالي، فالمجتمع الاستهلاكي، المُفْرِط في نزعته الاستهلاكية، هو الغاية التي من أجلها يتوفَّر ذوو المصالح التجارية الكبرى على اختراع مزيدٍ من الأعياد، وأشباهها.
 
عن عمد وقصد، أتحدَّث، في "عيد الحب"، عن "التُّجار" و"العشَّاق"، فإنَّ الأهمية الرمزية لهذا العيد تكمن في كونه يُظْهِر ويؤكِّد الحاجة الإنسانية والحضارية إلى تطهير "الحب" من الفساد التجاري وأشباهه، على استعصاء هذا الأمر في زمن العولمة، التي، بسبب طبيعتها الرأسمالية، يشتد لديها الميل إلى تسليع مزيدٍ من الأشياء، التي ينبغي لنا، إنسانياً وأخلاقياً وحضارياً، تنزيهها عن التسليع واقتصاد السوق.
 
لقد أتى الفساد (الذي هو جزء لا يتجزأ من الثقافة التجارية العالمية) على "الحب"، وعلى العلاقة بين الجنسين، من حيث الجوهر والأساس، فلو أنَّ "العشَّاق"، وفي مجتمعنا على وجه الخصوص، نظروا إلى الدوافع الأساسية والحقيقية الكامنة في "حُبِّهم" و"عشقهم" بعيون لا تغشاها الأوهام الرومانسة، التي تتوفَّر على بثِّها فضائيات عربية، لتبيَّن لهم واتَّضح أنَّها، أي تلك الدوافع، من "جنسٍ غريب"، أي من جنسٍ من الصعوبة بمكان أن تَجِد أوجه شبهٍ بينه وبين "الحب".
 
وإذا كان "الدافع" قد اعتراه ما اعتراه من فساد فإنَّ "الكيفية"، أي كيف يُمارَس الحُبُّ، ويُعبَّر عنه، في مجتمعنا، لا تقلُّ فساداً، فَقُلْ لي كيف تُحِب، وكيف تُعبِّر عن حبكَ وتمارسه، أقُلْ لكَ من أنتَ.
 
إنَّني لا أرى من فَرْق يُذْكَر بين منسوب "الحب الحقيقي" ومنسوب "الحرِّية" في مجتمعنا، فإنَّ مجتمعاً يقلُّ فيه "الأحرار" لا يمكن أن يكون "حُرَّاً"، وإنَّ مجتمعاً فاقِداً للحرِّية لا يمكنه أن يعطي الحب للعلاقة بين جنسيه، فهذا الحب يظلُّ عاجزاً عن الانتقال من مملكة الوهم الرومانسي إلى أرض الواقع النابض بالحياة، والتي فيها لا نرى، حتى الآن، إلاَّ رَجُلاً "يَعْبُد" المرأة ما بقيت مُسْتَعْبَدةً له، فإنْ هي فضَّلت، ولو قليلاً، تمرُّد "لا" على خنوع "نعم"، أصبحت، في فكره ومشاعره وموقفه منها، "الشيطان الرجيم"؛ مع أنَّ تاريخ العلاقة بين الجنسين يُظْهِر ويؤكِّد أنَّ رَجُلاً يَسْتَعْبِد امرأة لا يمكن أن يكون حُرَّاً، وأنَّ المجتمع نفسه هو أيضاً لا يمكن أن يكون حُرَّاً.
 
بلادنا، التي لم تَشْفَ بعد من الاستبداد الشرقي الآسيوي بكل صوره وأشكاله، ما زالت على إيمانها بضرورة تحريم الحُب وتجريم العشَّاق، ونَصْب أعواد المشانق لهم، ونَبْذ "الشفافية العاطفية والغرامية"، وإكراه المُحبِّين من كلا الجنسين على اللجوء إلى ما يشبه العمل السرِّي (تحت الأرض) الذي زاولته أحزاب المعارَضة "اللادستورية" عندنا زمناً طويلاً.
 
وللباحثين عن الحُب في مجتمعنا أودُّ، في "عيد الحب"، أن أبشِّرهم قائلاً: لا تضيِّعوا وقتكم، وترهقوا أنفسكم، في البحث عنه، فهو كالعنقاء، كائن خرافي، أو شيء لا وجود له إلاَّ في أوهامنا، فالحبُّ الحقيقي ينعدم وجوداً في كل مجتمع أُوتوقراطي ـ ثيوقراطي، وحيث تتصحَّر الحياة الديمقراطية بأوجهها كافة.
 
وأستطيع أن أقول عن الواقع وحقائقه، أي نيابةً عنه وعنها، إنَّ أشياء عدةً نتوهَّم أنَّها موجودة في مجتمعنا؛ ولكنَّها في الحقيقة غير موجودة، فالحُبُّ الحقيقي لا وجود له؛ والزواج الحقيقي لا وجود له؛ والرجولة الحقيقية لا وجود لها؛ والأنوثة الحقيقية لا وجود لها.
 
ونحن طالما سمعنا عن قصص حُبٍّ دامت سنوات، فأنتهت إلى زواج لم يَدُم أكثر من أيام أو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عصبية “الدَّاليْن”!

كتبها جواد البشيتي ، في 12 شباط 2010 الساعة: 10:32 ص

 

 
 
عصبية "الدَّاليْن"!
 
جواد البشيتي
 
"الحضارة"، و"الحرِّية"، و"الديمقراطية"، هي أشياء ثلاثة تَحْضُر، وتزداد حضوراً، إذا ما غاب شيء رابع، وازداد غياباً، ألا وهو "التعصُّب" بأنواعه، وفي مقدَّمها "التعصُّب الدِّيني"، و"التعصُّب للدم"، فإنَّ التعصُّب لهذه "الدَّال"، أو لتلك، هو الذي فيه، وبه، تنمو وتقوى وتشتد "الوحشية" في البشر.
 
و"التعصُّب" يتضمَّن "الانتماء" و"الانحياز"؛ ولكنَّه لا يَعْدِلهما، فكل "تعصُّب" يكمن فيه "الانتماء"، أو "الانحياز"؛ ولكن ليس كل "انتماء"، أو "انحياز"، يجب أن يكمن فيه "التعصُّب"، فالمرء إذا "تعصَّب" لـ "عُصْبَتِه"، أي لجماعته، فلا بدَّ له من أن يصبح أعمى البصر والبصيرة، له عين لا تبصر، وعقل لا يعقل؛ ولا بدَّ له، أيضاً، من أن يغدو كالجاهِل لجهة عدائه لنفسه (الجاهِل عدو نفسه) ذلك لأنَّ "التعصُّب" لا يسمح له بوعي حقوقه ومصالحه الحقيقية (ومَنْ لا يعي حقوقه ومصالحه لا يمكنه أبداً الدفاع عنها) ويَزُجَّ به في كل صراعٍ أو حرب؛ ولكن بصفة كونه وقوداً له أو لها، أي يجعله (هذا التعصُّب) جندياً دائماً في معارِك لا ناقة له فيها ولا جَمَل، إذا لم يكن هو نفسه الناقة أو الجَمَل.
 
و"سؤال الانتماء"، الذي بحسب إجابة المجيب عنه نميِّز "الانتماء الحضاري" من "نقيض هذا الانتماء"، إنَّما هو: هل أنتمي (أنا ابن القرن الحادي والعشرين بعد وليس قبل الميلاد) إلى ما لم أخْتَر، وما لم أُرِدْ، أم إلى ما أختار، وما أُريد؟
 
أنتَ لم تَخْتَر، ولم تُرِدْ، أن تكون من عُصْبَةٍ ما (من عشيرة أو قبيلة أو جماعة دينية..) ولكن يمكنكَ أن تختار، وأن تريد، انتماءً آخر، فيه، وبه، تُحقِّق، أو تتحقَّق، ذاتكَ.
 
في "التعصُّب"، وبه، يرتفع (حتماً) منسوب الوحشية في علاقتنا بـ "الآخر"، أي المختلِف عنا، المخالِف لنا، في ما نتعصَّب له، فـ "الآخر" لا يَظْهَر في مرآة المتعصِّب إلاَّ على هيئة شيطان رجيم، أو على هيئة عدوٍّ مبين، نَسْتَحِلُّ، بفضل "ثقافة التعصُّب" التي رضعناها رضاعةً، حتى قتله، فنقتله وكأنَّنا نقتل حشرةً ضارةً، ونخترع لتمجيد قتله ما تطمئنُّ له نفوسنا من أخلاق وعقائد، فهذه "الثقافة" لا أهمية تُذْكَر لها إنْ هي لم تجعل أصحابها (أي ضحاياها) مؤمنين بأنَّ الخير، كل الخير، يكمن في هذا الشر الإنساني، أي في معاملة "الآخر"، وجوداً وحقوقاً، على أنَّه الشيطان الرجيم.
 
في العراق، الذي ما عاد للعروبة فيه (أي الانتماء القومي العربي) من وجود إلاَّ على هيئة "قبر" أو "متحف"، والذي يفاضِل أبناؤه بين الولاء للولايات المتحدة والولاء لإيران، رأيتُ وسمعتُ (عبر منابر إعلامية لوحوش التعصُّب) ما تقشعر له الأبدان، فالشيعي والسنِّي من عربه البائدة يتبادلان "التكفير"؛ و"التكفير" عندنا إنَّما يَعْدِل "الوحشية التي لا تضاهيها وحشية" في علاقة "المُكفِّر" بـ "المُكفَّر"، فهو ليس برأيٍ يُرى؛ بل ثقافةٌ نتصوَّر فيها "الآخر"، أي "المُكفَّر"، على أنَّه مخلوق من مخلوقات إبليس، وينبغي لنا، بالتالي، أن نستأصِل من نفوسنا كل رادِعٍ يمكن أن يردعنا عن الإفراط في إيذائه، أو عن قتله.
 
إذا رأيته فقيراً معدماً، أو ناطقاً بلغة الضاد، أو يدين بدين المسلمين، أو طفلاً، أو امرأةً، أو شيخاً، فلا تأخذكَ به رأفةً ولا رحمة، وتذكَّر، بعد أن تنسى كل ما في هذا الذي ترى من روادع يمكن أن تردعكَ عن إيذائه أو قتله، أنَّه "كافِرٌ"، يحقُّ لكَ، وينبغي، أنْ "تفوز" بإيذائه أو قتله!
 
إنَّ عصبية "الدَّاليْن"، أي عصبية "الدَّم" و"الدِّين"، والتي ذُقْنا منها الأمرَّين، لا يمكن فهمها وتفسيرها إلاَّ على أنَّها "الثقافة" التي بفضلها تُلْبَس المصالح الفئوية الضيِّقة لبوس المصالح العامة الواسعة (مصالح الشعب والأمَّة) فيَسْهُل على عُصْبَة ضئيلة من الأسياد (في الاقتصاد والمال والسياسة..) زجَّ العامَّة من الناس في كل صراعٍ (أو حرب) لهم هم مصلحة حقيقية (لا وهمية) فيه، وكأنَّها، أي عصبية "الدَّالين"، الأفيون للدهماء.
 
قديماً، كان ممكناً أن نرى شيئاً من الواقعية في وحدة العصبة من الناس بالدَّم؛ أمَّا الآن فتلاشت ونفدت تلك الواقعية، متحوِّلةً إلى نقيضها، وهو الوهم والخرافة، فالأعراق، صغيرها وكبيرها، اختلطت وامتزجت، حتى أصبح "النقي" منها كالعنقاء، التي هي طائر وهمي لا وجود له إلاَّ في تصوُّر الإنسان وخياله.
 
ومع عَوْلَمة، وتنامي عَوْلَمة، الزواج (الذي من خلال الإنجاب يمعن في "تعكير" صفو ونقاء الأعراق والدماء) ستتأكَّد، حتى للمستعبَدين أكثر من غيرهم بعصبية الدَّم، خرافة "الجماعة المتَّحِدة بالدَّم"، أي المتَّحِدة بصفاتها الوراثية.
 
إنَّنا نَسْتَنْفِد الجهد والوقت في معرفة "شَجَر العائلات" عندنا، أصولاً وفروعاً؛ أمَّا هُمْ فقد توصَّلوا في اكتشافهم العلمي الجديد إلى أنَّ الهرمون الأنثوي المسمَّى بروجسترون Progesterone موجودٌ، أيضاً، في الشجر (النبات) وكأنَّ شيئاً من الوحدة يوجد بين النساء والنبات.
 
عصبية "الدَّالين" إنَّما هي اجتماع "المصلحة" و"اللاعقل"، فمخترعوها، وناشروها، ومؤجِّجوها، والمتحكِّمون فيها، صعوداً وهبوطاً، إنَّما هم ذوو المصلحة الحقيقية فيها؛ أمَّا ضحاياها من الدهماء فهم الذين يخطُّون بدمائهم وآلامهم وبؤسهم حقيقة أنَّ مصالح فئوية ضيِّقة هي التي تبقي "المنافي للعقل" حيَّاً يُرْزَق، فيستمر ويتوطَّد حُكْم الأموات للأحياء!
 
 
 
 
مجتمعٌ يُعسِّر الزواج ويُيسِّر الطلاق!
 
جواد البشيتي
 
للأعزب من الرجال يقولون "لا تتزوَّج، فما أصعب وأشق الزواج في مجتمعنا"؛ وللمتزوج منهم يقولون "طلِّقْ، فما أسهل وأيسر الطلاق"!
 
إنَّهما ظاهرتان اجتماعيتان متناقضتان؛ ولكنَّهما متَّحدتان اتِّحاداً لا انفصام فيه، عرفهما مجتمعنا (في السنوات الخمس الأخيرة على وجه الخصوص) وهما: ظاهرة استعصاء الزواج، وظاهرة استسهال الطلاق.
 
و"المصلحون الاجتماعيون" يحاولون إصلاحاً أُسَريَّاً؛ ولكن كمثل "مصلحينا أو إصلاحيينا السياسيين"، الذين يتوفَّرون على بحثٍ يشبه البحث في رائحة الشيء، وليس في ذات وماهية الشيء.
 
الطلاق عندنا الآن أصبح إلكترونياً (عبر الموبايل أو الانترنت) وإنَّ ظلَّ الزواج محكوماً بعادات وتقاليد أكل الدهر عليها وشرب؛ أمَّا "القضاة الشرعيون" فأفتوا بجواز هذا الطلاق شرعاً؛ ولكن بعد "إثباته".
 
في السنوات الخمس الأخيرة، عرف مجتمعنا نحو 300 ألف حالة زواج، ونحو 150 ألف حالة طلاق، أي أنَّ حالات الطلاق أصبحت 50 في المئة من حالات الزواج.
 
ويُتَّهم "الموبايل" و"الانترنت" بأنَّهما سهَّلا، ويسَّرا، وسرَّعا، الطلاق، فنسبة "أبغض الحلال" عند الله آخذة في الاتِّساع.
 
ونحن لو عزمنا على البحث في ذات الشيء، وليس في رائحته، لتوصَّلنا إلى أنَّ سبب "الطلاق"، أي سبب تزايد حالات الطلاق، يكمن في "الزواج" عندنا، فنحن نتزوَّج بما يجعل الطلاق النهاية السريعة للزواج.
 
وإنصافاً للحقيقة أقول إنَّ "الدولة" عندنا لم تؤدِّ "وظيفتها الاجتماعية" على "خير وجه" إلاَّ في تهيئتها "المناخ الاقتصادي ـ الاجتماعي" لجعل مجتمعنا مُسْرِعاً في التحوُّل إلى مجتمعٍ يتضاءل فيه، رقماً ونِسْبَةً، "المتزوِّجون الدائمون"، ويَعْظُم، في الوقت نفسه، "المُطلِّقون والمُطلَّقات"، و"جيش العاطلين عن الزواج"، أي العاجزون اقتصادياً عن الزواج.
 
لقد تراجع كثيراً منسوب "العدالة الزواجية"، في الأردن، فتعداد "جيش العاطلين عن الزواج"، من فئة الإناث فحسب، بلغ نحو 100 ألف "عاطل"، يُضاف إليهم، أو إليهن، العدد ذاته من الذكور، إذا ما افترضْنا أنَّ "العانِس" من الذكور، أو الرجال، سيكتفي بزوجة واحدة لا غير إذا ما استطاع إلى الزواج سبيلا. ومنسوبها تراجع، أيضا؛ لسببين آخرين، يؤلِّفان معاً ظاهرة اجتماعية واحدة هي ظاهرة "العائلة المؤلَّفة من زوج واحد فحسب ومن زوجتين، أو ثلاث، أو أربع زوجات (عدا المُطلَّقات)"، فـ "الذَكَر الإيجابي"، هنا، مقارنةً بـ "الذَكَر السلبي"، هناك، وهو "الذَكَر العانِس"، لديه أكثر من أنثى؛ والأنثى، هنا، أي حيث يكمن السبب الثاني، هي نصف، أو ثُلْث، أو رُبْع، زوجة.
 
والـ "لا عدالة الزواجية" نراها في الدرجة العليا من وضوحها في الرجل الذي أنعم الله عليه بقدرة على "التمويل الزواجي"، يُحْسَدُ عليها، فهذا الرجل، الذي هو فئة واسعة نسبيا من الرجال ذوي القدرة المُنْفِقين عن سعة، يُسَرِّح، أي يُطلِّق، بعض زوجاته حتى يظل محتفظاً بـ "الشرعيات" منهن (أربع زوجات فحسب) مضاعِفاً، بالتالي، "جيش المُطَلَّقات".
 
موازين الزواج اختلَّت عند الفتاة (وأهلها) فالشاب الطالِب للزواج، العازم عليه، لا يُعْرَفُ وزنه إلا في ميزان كـ "ميزان الشارع"، الذي إنْ لم تضع فيه نقوداً لن تَعْرِفَ، أو يُعْرَف، وزنك. أمَّا سبب هذا الاختلال في موازين الفتاة فهو الدولة بخططها الكثيرة لـ "التنمية الاقتصادية"، والتي أمعنت إفقارا في الشباب الذين هم في سِنِّ الزواج، فغدت الفتاة، التي هي في سِنِّ الزواج، مُكْرَهةً على نَبْذ "الموازين الإنسانية والحضارية"، وكل ميزان غير اقتصادي، أو مالي، فوحش الغلاء، الذي حرَّرته ونَمَّتْه خطط التنمية الاقتصادية، يلتهم المأكل والملبس والمسكن والدواء.. والإنجاب و"حقوق الأطفال" على اختلافها، وصار لا بدَّ، بالتالي، للفتاة (ولو كانت عاملة) من أن تبحث، أوَّلا، عن مقوِّمات "الأمن الاقتصادي ـ الاجتماعي" في الشاب المرشَّح للزواج منها.
 
وهذا الشاب يقع دائما بين مطرقة خطط الدولة الاقتصادية لتنمية الفقر بين الشباب وسندان العادات والتقاليد العائلية والعشائرية للزواج، فأهل الفتاة يفضِّلون أن تبقى عانسا إلى الأبد على زواجها من شاب لا يملك من المال ما يكفيه شرَّ زواج منافٍ لتلك العادات والتقاليد، التي يكفي أن تتحكَّم في الزواج، ماليا، حتى يَحْكُم الفقر حياة الزوجين سنوات عدة.
 
تلك العادات والتقاليد لا تَخْلِق الفتاة في "أحسن تقويم" إلا لتردها أسفل سافلين، فقبل "العنوس"، أو "التعنيس"، تشتط وتتطرَّف الفتاة في شروطها ومطالبها، التي جُلُّها مالي، أو يمتُّ بصلة إلى المال؛ أمَّا بَعْدَهُ، أو في أثنائه، فتَجْنََح لتطرُّف مضاد ومعاكِس، هو تطرُّفها في التنازل والتخلِّي ليس عن تلك الشروط والمطالب فحسب، وإنَّما عن حقوقها بوصفها إنسانا وزوجة، وكأنَّ "الحل الوسط"، الذي يَنْبُذُ الإفراط والتفريط معا، لا مكان له في "ثقافة الزواج" عند فتياتنا.
 
مجتمعنا لم يَعْرِف بَعْد العلاقة السوية بين الجنسين والتي يحتاج إليها

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قصَّة نجاح لثريٍّ روسي!

كتبها جواد البشيتي ، في 7 شباط 2010 الساعة: 05:45 ص

 

قصَّة نجاح لثريٍّ روسي!
 
جواد البشيتي
 
أثرياء روسيا الجُدُد يَرْوون، في ظهورهم وصعودهم، قصَّة مختلفة في الثراء، وفي إخراج الرأسمالية، طبقةً ونظاماً، إلى الوجود في بلادهم، التي كانت من قبل "حمراء"، في عيون مصابين بعمى الألوان.
 
أحدهم، وهو من كبارهم، ومن أكثرهم "نجاحاً، و"ذكاءً"، في جعل "الدجاج" يبيض ذهباً، قرَّر، منذ خمس سنوات، وعلى ما أفادت ورَوَت صحيفة روسية، أن يستثمر نزراً من أمواله "القارونية" حيث الغلبة، على وجه العموم، للخسارة، بمعناها الرأسمالي الضيِّق، أي حيث الرأسمال الموظَّف لا يُسْتعاد ولا ينمو إلاَّ بما يؤكِّد "الفشل" في توظيفه واستثماره.
 
وهذا الموضع، الذي قرَّر هذا "المغامِر الكبير" استثمار نزر من أمواله فيه، كان "الصحافة (اليومية)"؛ وقد كان له ما أراد (وهل في توصُّله إلى هذا الذي أراد ما يدعو إلى الدهشة والاستغراب؟!) فأسَّس جريدة يومية (سياسية في المقام الأوَّل) مزركشاً إيَّاها بمفردات وعبارات فضِّية وذهبية من قبيل "مستقلة"، و"حُرَّة"، "َتَنْشُد الحقيقة ولا شيء آخر سواها".
 
وما أنْ صَدَرَ العدد الأوَّل من جريدته اليومية "المستقلة الحُرَّة المُتيَّمة بعشق الحقيقة"، والتي أشرك في ملكيتها بعض المستثمرين الصغار ليكونوا كالكواكب تدور حَوْل شمسه، حتى تعرَّض لحملة واسعة من الانتقادات القارصة، فبعض منتقديه عابوا عليه سوء خياره الاستثماري، فهذا النوع من الاستثمار ترجح فيه، على وجه العموم، كفَّة الخسارة على كفَّة الربح؛ وبعضهم أخَذَ عليه "أُمِّيته السياسية"، فهو، ذات مرَّة، تحدَّث عن الأخطاء العسكرية القاتلة التي ارتكبها ستالين في أثناء قيادته الجيش الأحمر "في الحرب العالمية الأولى"!
 
ثمَّ جاءت "النتائج"؛ ومعظمها كان له وَقْعُ الصاعقة على منتقديه وخصومه، فهذا الثري الروسي الجديد الكبير، و"المغامِر" الذي اقتحم عالم الصحافة (اليومية) وعالم السياسة، بالتالي، على "أُمِّيته السياسية"، نجح، هذه المرَّة أيضاً، نجاحاً منقطع النظير، ليس في دنيا التجارة والاستثمار فحسب، وإنَّما في دنيا السياسة، بمعنييها الضيِّق والواسع، فجريدته أصبحت كـ "ثقب أسود" لجهة قوَّتها في اجتذاب "الإعلان الحكومي"، في المقام الأوَّل، إلى صفحاتها؛ أمَّا هو فسرعان ما لمع نجمه في سماء السياسة، وصَعَدَ "سُلَّم" المناصب السياسية والعامة، وكأنَّه مؤلِّف "الأمير"!
 
لعبته "ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

“ضرائب دولة” أم “دولة ضرائب”؟!

كتبها جواد البشيتي ، في 5 شباط 2010 الساعة: 11:10 ص

 

 
 
"ضرائب دولة" أم "دولة ضرائب"؟!
 
جواد البشيتي
 
كلاَّ، فكلمة الحكومة في أمْر الضرائب الجديدة إنَّما هي كلمة حقٍّ يراد بها باطل، فحكومة الرفاعي، وعلى ما كشفته وأوضحته طرائقها وأساليبها لسدِّ العجز في الموازنة الجديدة للدولة، تريد لشعبها مزيداً من الجوع والفقر، فالمدمنون على التدخين، ولكونهم مدمنين، يفضِّلون مزيداً من الجوع، ومن العجز في موازناتهم العائلية، والعجزعن تلبية حاجاتهم الأولية والأساسية، على الإضراب عن التدخين، أو خفض استهلاكهم اليومي من السجائر.
 
حتى الآباء والأمَّهات لن يشذوا عن هذا الالتزام القوي، ويمكن، بالتالي، أن يحوِّلوا إلى سجائر بعضاً من "مال الحياة"، أي المال الذي يجب أن يُنْفَق للحصول على القوت اليومي لأطفالهم وأبنائهم.
 
ولا شكَّ في أنَّ الحكومة تعلم ذلك علم اليقين؛ ومع ذلك قرَّرت ضَرْب ضرائب جديدة على مواطنيها، بدعوى أنَّ بعضاً من الغلاء، كغلاء أسعار السجائر والتبغ ومنتجاته والمشروبات الكحولية بأنواعها والمكالمات الخلوية، يمكن أن يقيها شرَّ الفقر المالي، والمتأتي بعضه من تنازلها عن ضرائب ورسوم جمركية كانت مفروضة على نحو 2000 سلعة إسرائيلية، ومن قرارها الآن إعفاء الرواتب والأجور، التي يتقاضاها العاملون غير الأردنيين، من ضريبة الدخل.
 
و"القرار الضريبي الجديد"، والذي تفوح منه رائحة العداء "الزائف" للتدخين، و"الحقيقي" للشعب المُدخِّن، إنَّما ينمُّ عن ذكاء سياسي حكومي، فالنقمة الشديدة للمكتوين بنار الغلاء العام لن تكون على الحكومة والطواغيت من التجار، وإنَّما على المدخنين من معيلي أُسَرِهم، فهؤلاء، باستمرارهم في تدخين السجائر الغالية، هم وحدهم المسؤولون عن جوع وفقر عائلاتهم، أي عن جوع وفقر الشعب في آخر المطاف!
 
و"القرار" المُفْعَم بالروح الانتهازية، هو أجمل لبوس يمكن أن ترتديه الحكومة في زمن الغلاء، مع ما يولِّده من غليان شعبي، فهو يلبسها لبوس الحرص على صحَّة مواطنيها، وعلى نظافة ونقاوة الهواء، وعلى صحَّة البيئة على وجه العموم؛ وقد يقع موقعاً حسناً من نفوس كثير من المواطنين الذين يميلون إلى الأخذ بفتاوى دينية تحرِّم التدخين، أو تجعله في حُكم المكروه دينياً.
 
الغلاء ليس بعامٍ على ما يزعمون، فثمة مواطنون، هم المواطنون غير العاديين، يرون في الغلاء المتزايد لأسعار البضائع رخصاً متزايداً؛ ذلك لأنَّ قدراتهم الشرائية تنمو مع نمو الغلاء؛ أمَّا المواطنون العاديون فكثير منهم، إنْ لم يكن معظمهم، لا خيار لديهم إلا أن يشعلوا مزيداً من السجائر، لعلَّ نارها تطفئ في نفوسهم ومشاعرهم نار الغلاء، فَلِمَ قرَّرت الحكومة شن الحرب على "أفيون الفقراء"؟!
 
لقد أوقفني، ذات يوم، شرطي المرور ليحرِّر محضراً في مخالفة ارتكبتها هي عدم وضعي حزام الأمان في أثناء قيادتي السيارة، فقلت له، قبل أن أقبل على مضض استلام المخالفة، إنَّ عدم وضعي حزام الأمان لا يضر أحداً سواي، وأنا لست بمقتنع بأنَّ الحكومة تُغرِّمني من فرط حرصها على سلامتي، فهي إنما تظهر هذا الحرص على سلامتي لكونه يعود عليها بالنفع المالي، الذي قلَّما يتحوَّل إلى نفع عام.
 
إنَّنا مع حكومة غنية، تغتني بمزيد من الضرائب والرسوم، فيغتني المجتمع بغناها؛ ولكننا ضد أن تغتني، أو تدرأ عنها الفقر المالي، بضرائب ضد الشعب المدخِّن، فَلِمَ لا تتوفَّر على جمع وجباية الضرائب من المتهربين من دفعها وهم كثر، ومن أولئك الذين لا يُقْبِلون على تجارة أو استثمار إلا إذا كان معدل الربح في منتهى الوحشية؟!
 
ثم لماذا يُسمح للأغنياء بأن يستفيدوا من معونات ومساعدات حكومية مقرَّرة للفقراء وذوي الدخل المحدود في غير مجال وناحية؟!
 
إنَّ كثيراً من أبناء الذَّوات يتلقون معونات ومساعدات حكومية جامعية مع أنَّهم في غنى عنها، ومع أنَّ تلك المعونات والمساعدات ليست من حقَّهم، وإنَّما من حق الطلاب الفقراء.
 
ترفيهاً عن المواطن المُخْتَنِق بالضرائب وكثرتها وتكاثرها، أقول إنَّ لـ "الضريبة" معاني أخرى، نقف على بعضها في جُمَل من قبيل "تَرَكَ ضريبة على جسمه"، أي أثر الضرب، فالضرائب، عندنا، تترك ضريبة على أجسامنا ونفوسنا؛ و"هذه ضريبته التي ضُرِب عليها"، أي طبعه الذي طُبِع عليه، ولقد طُبِعَت الحكومات عندنا على ضَرْب شعبها بضرائب هي كـ "ضريبة السيف"، أي حَدَّه، وعلى "تطوير" النظام الضريبي بما يجعل جُباة الضرائب كمثل آكلي لحوم البشر، أي كمثل بوكاسا الذي أحْبَطَ سعي ذوي النفوس الكبيرة لجعله "نباتياً".
 
"الضريبة"، في أصلها، ومنطقها، وفقهها، هي "مالٌ عام"، أي مالٌ يخصُّ فحسب صاحبه الشرعي، وهو "الشعب"، الذي تتولَّى "هيئة تمثِّله"، هي "الدولة"، أو "الحكومة"، جمع وجباية الضرائب منه، ثمَّ إنفاقها بما يعود عليه هو بالنفع والفائدة؛ وليس ثمَّة ما هو أسوأ من أن يُنْفَق هذا "المال العام"، بموجب "قانون الموازنة"، بما يعود بالنفع والفائدة على قلَّة قليلة من المواطنين (غير العاديين) في المقام الأوَّل، وبما يُوَلِّد مزيداً من العجز في موزانات الدولة، فلا يُسدُّ إلاَّ بالطريقة نفسها، ألا وهي طريقة "تحويل مزيدٍ من لقمة عيش المواطن العادي والفقير إلى ضرائب"، وكأنَّ "الضريبة" غدت "جزية"، وكأنَّ "الشعب"، ولجهة علاقته بحكومته، أصبح كـ "أهل الذِّمة"!
 
و"الضريبة"، لجهة صلتها بـ "الدول"، تؤسِّس لظاهرتين: ظاهرة "ضرائب دولة (أو للدولة)"، وظاهرة "دولة للضرائب".
 
الظاهرة الأولى هي ظاهرة حضارية، ديمقراطية، فالدولة هناك لا تأخذ من الشعب مالاً (ضرائب) إلاَّ لتعيده، أو لتعيد معظمه، إليه، وبما يقنعه بجدوى الضرائب، والنظام الضريبي.
 
هناك، تَفْرِض الدولة ضرائب، وضرائب ثقيلة، على بضائع كالسجائر مثلاً؛ ولكنَّها لا تفرضها إلاَّ لتُنْفِق هذا "المال العام" في تحسين وتجويد عيش مواطنيها، وتمكينهم (اقتصادياً) من تلبية وإشباع حاجاتهم الأوَّلية والأساسية على الأقل، فالضرائب المفروضة على السجائر، مثلاً، تُنْفَق على شكل إعانات مالية حكومية للأطفال مثلاً، فالحكومة الألمانية، مثلاًً، رفعت سعر علبة السجائر؛ ولكنَّها قرَّرت، في الوقت نفسه، منح مزيدٍ من المساعدات المالية للأطفال وعائلاتهم.
 
أمَّا عندنا، أي في دولنا التي هي دولٌ للضرائب فحسب، فالضريبة على علبة السجائر لا تتحوَّل، ولا يمكن أن تتحوَّل، إلى رخُصٍ في سعر حليب الأطفال، أو في أسعار سلع غذائية شعبية، فالدولة، بالضرائب، والتاجر، بالربح الوحشي، يتضافران على افتراس مزيدٍ من لقمة عيش المواطن العادي والفقير.
 
الحكومة كان ينبغي لها أن "تصمت" على الأقل؛ ولكنَّها أبت إلاَّ أن تنطق كفراً، فهي، على ما زعمت وادَّعت، اتَّخَذت من الضرائب الجديدة على السجائر والمكالمات الخلوية "وسيلة تربوية"، فهذا "المربِّي الأسمى"، أي الحكومة، ما عاد في مقدوره أن يصبر أكثر ممَّا صبر على بعض "السلوك الشعبي"، وعلى تمادي الشعب في "الإنفا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

هكذا تكلَّم الجنرال باراك!

كتبها جواد البشيتي ، في 5 شباط 2010 الساعة: 11:08 ص

 

 
هكذا تكلَّم الجنرال باراك!
 
جواد البشيتي
 
يُفْتَرَض في باراك، بصفة كونه الممثِّل الأعلى للوعي الأمني القومي والإستراتيجي لإسرائيل، أن يكون أدْرى القادة الإسرائيليين بحقيقة المخاطر الأمنية الحاضرة والمستقبلية، المؤكَّدة والمحتمَلة، التي تحفُّ بدولته، التي يريد لها أن تكون "يهودية" و"ديمقراطية" في آن، أي أن تأتي بمعجزة الجمع بين أمرين لا يمكن الجمع بينهما، وهما "اليهودية" و"الديمقراطية".
 
أيُّهما أولى بمواجهته إسرائيلياً الآن، والتصدِّي له، ودرء مخاطره، القنبلة النووية الإيرانية (التي لم تَغْدُ بعد حقيقة واقعة) أم "عدم ترسيم وتعيين الحدود" بين دولة إسرائيل، التي لم تَكْتَمِل حدودها، ترسيماً وتعييناً، بعد، والدولة الفلسطينية، التي لم تَقُمْ بعد؟
 
يبدو أنَّ قادة إسرائيل مختلفون الآن في إجابة هذا السؤال، وأنَّ باراك يسعى في إقناع كثير من زملائه ورفاقه في الائتلاف الحاكم برئاسة نتنياهو بأنَّ عدم ترسيم تلك الحدود هو الأخطر على أمن إسرائيل القومي والإستراتيجي، وبأنَّ عليهم، بالتالي، أن يسرعوا في تذليل العقبات من طريق استئناف "مفاوضات السلام" مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، توصُّلاً إلى درء هذا الخطر (الأمني والإستراتيجي) الأعظم عن إسرائيل، أو عن "يهوديتها" و"ديمقراطيتها".
 
وكأنَّ باراك يريد أن يقول لهم أيضاً إذا أردتم درء مخاطر القنبلة النووية الإيرانية عن إسرائيل فإنَّ عليكم الإسراع في تفكيك "القنبلة الديمغرافية" الفلسطينية من خلال الاتِّفاق مع عباس على ترسيم للحدود النهائية والدائمة بين الدولة العبرية والدولة الفلسطينية التي ستُقام على جزء من "أرض إسرائيل"، بحسب ما أدلى به باراك من آراء وأقوال في مؤتمر في جامعة "بار إيلان".
 
لقد قال على وجه التعيين والتحديد: "غياب حلٍّ يقضي بترسيم الحدود في داخل أرض إسرائيل التاريخية هو، وليس القنبلة (النووية) الإيرانية، التهديد الأعظم لمستقبلنا".
 
إنَّ باراك، على ما تعنيه آراؤه وأقواله، مطْمَئِنٌّ حتى الآن إلى أنَّ "نووية" إيران ليست بتهديد أمني إستراتيجي لإسرائيل النووية من رأسها حتى أخمص قدمها، عِلْماً أنَّ "الذهنية الأمنية اليهودية" ترى مخاطر أمنية على دولة إسرائيل في أمور ليست من الأمن بشيء كالزِّي الشعبي الفلسطيني.
 
ولكنَّ هذا الجنرال، وعلى ما نفترضه فيه من سعة أُفْق أمني، أبى إلاَّ أن يقيم الدليل على ضيق أُفْقِه السياسي والفكري والديمقراطي، فهو كاد أن يقول؛ بل قال، إنَّ الدولة الثنائية (أو المتعدِّدة) القومية هي نفي، لا تأكيد، لـ "ديمقراطية" إسرائيل، ولو أثبتت التجرية التاريخية والعالمية، في هذا الصدد، أنَّ الدولة المتعدِّدة القومية هي تأكيد، لا نفي، للديمقراطية، فالديمقراطية، في عُرْف هذا الجنرال، والذي لديه من العصبية اليهودية ما يكفي لـ "تحلِّيه" بمزيد من ضيق الأفق اليهودي، تبقى وتتعزَّز وتتوطَّد (في دولته ومجتمعه) مع إخضاع "الميزان الديمغرافي" لمزيدٍ من التهويد؛ ولسوف تصبح إسرائيل مُطْلَقةً خالصةً في "ديمقراطيتها" إنْ هي نجحت في التخلُّص من نحو 20 في المئة من مواطنيها، أي من "عرب إسرائيل"!
 
وهذا "الميزان الديمغرافي" يمكن أن يتعرَّض لمزيدٍ من خطر "التعريب" إذا ما تحوَّل الفلسطينيون في الضفة الغربية إلى مواطنين إسرائيليين، يتمتَّعون بحقوق المواطنة، وبحق الاقتراع، فيتضافر، عندئذٍ، خطر "التعريب الديمغرافي" و"الديمقراطية" على نفي وتقويض "يهودية" إسرائيل، والتي من أجل الحفاظ عليها لا بدَّ، في حال عدم ترسيم وتعيين الحدود، من إخضاع الفلسطينيين لنظام فصلٍ عنصري.
 
باراك يرفض "إسرائيل الديمقراطية ثنائية القومية"، التي ضمَّت الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى مواطنيها؛ لأنَّها عدوٌّ مبين لـ "يهوديتها"؛ ولا يقبل "نظام الفصل العنصري"؛ لأنَّه عدوٌّ مبين لـ "ديمقراطيتها"، وإنْ حَفِظَ لها "يهوديتها"؛ وليس من حلٍّ، مع انتفاء واقعية "حل الترانسفير"، سوى "ترسيم الحدود".
 
ولكنَّ باراك يريد ترسيماً للحدود في غياب الاعتراف الإسرائيلي بالحق القومي الفلسطيني، فإسرائيل "تعطي"، أو "تمنح"، الفلسطينيين من "أرضها التاريخية" ما يكفيهم، من وجهة نظرها، لإقامة دولة لهم، تُرسَّم الحدود النهائية بينها وبين إسرائيل؛ ولكن بما يجعل إقليم هذه الدولة على هيئة "جزيرة"، أو "أرخبيل"، في بحر إسرائيلي، وفي مقابل أن يتخلُّوا، وإلى الأبد، عن "حقِّ العودة"، بمعناه المعترَف به دولياً.
 
أمَّا باراك الثاني، أي باراك أوباما، فانضمَّ إلى باراك الأوَّل، أي الإسرائيلي، في السعي إلى الإتيان بالمفاوِض الفلسطيني إلى ما يشبه "بيت الطاعة"، من أجل التوصُّل إلى اتفاق على حل مشكلة الحدود أوَّلاً، وبما يفي بالغرض الإسرائيلي كما حدَّده وأوضحه الجنرال باراك.
 
وها هو "الوسيط"، أي إدارة أوباما، تقول للرئيس عباس، مباشَرةً وعبر "معتدلين" عرب: تنازلوا عمَّا تنازلنا عنه، وهو الوقف التام للنشاط الاستيطاني؛ عودوا فوراً إلى طاولة المفاوضات لحل مشكلة الحدود التي تقلق الجنرال باراك؛ أمَّا إذا أبيتم واستكبرتم، فإنَّ مجلس الأمن لن يُفْتَح بابه لكم، وإنَّ الضفة الغربية ستظلُّ أبوابها مشرعةً أمام الاستيطان؛ فاغتنموا "الفرصة"، ولا تضيِّعوها!
 
 
 
 
"ثقافة الزلازل" عندنا!
 
جواد البشيتي
 
إنَّ أحداً لا يجادل في أنَّ "الطبيعة" هي التي تتحمَّل مسؤولية الكارثة الإنسانية الكبرى التي حلَّت بالبشر في هاييتي إذ هيَّأت للزلزال الكبير المدمِّر أسباب وقوعه.
 
أقول ذلك، وأتَّهِم "الطبيعة" بارتكاب هذه "الجريمة الإرهابية"، مع أنَّ هناك من الناس من يؤمِن بأنَّ الزلازل على وجه الإطلاق هي ظاهرة من ظواهر نظام القضاء والقدر.
 
والقولان، أو الرأيان، إنَّما هما جزء من "ثقافة الزلزال" عندنا، وعند غيرنا من الأمم والشعوب؛ وإنَّ "ثقافة الزلزال" هي جزء من ثقافة أوسع تستبدُّ بأبصارنا وبصائرنا، وتستمدُّ جزءاً كبيراً من مقوِّمات وجودها من "العجز المعرفي الإنساني النسبي".
 
ولقد تذكَّرتُ الآن ليلة الخروج أو الهروب الجماعي من البيوت والمنازل في عمَّان إلى العراء، اتِّقاءً لشرِّ "زلزال"، بشَّرنا بوقوعه "منجِّم"، أو "مُغْرِض"، وكأنَّ أجلنا جاء فلا نستأخر ساعة ولا نستقدم!
 
لقد خُلِقَ الإنسان هلوعاً جزوعاً، ولكن قُلْ لي ماذا يُخيفُكَ، أقول لكَ من أنت، فـ "الخوف" هو المرآة التي فيها نرى صورة شخصيتنا الحقيقية. و"الخوف" إنَّما هو الخوف من خطرٍ مُحْدِق بنا، أكان هذا الخطر حقيقياً أم وهمياً؛ فمتى يخاف البشر، أكانوا أفرداً أم جماعات؟
 
بعضنا يخاف قبل وقوع الخطر، وبعضنا يخاف في أثناء وقوعه، وبعضنا يخاف بعد وقوعه. وغنيٌّ عن البيان أنَّ "الخوف الجيِّد" هو الذي نشعر به بعد وقوع الخطر، أي بعد خروجنا من مواجهته. و"الخوف السيئ" هو الذي نشعر به قبل وقوع الخطر. أمَّا "الخوف الأسوأ" فهو الذي يتملَّكنا في أثناء وقوع الخطر، أي حيث ينبغي للعقل أن يَبْرُد بما يكفي للمواجهة.
 
"الخوف" عندنا، أكان من نوع "الخوف مِن.." أم من نوع "الخوف على.." إنَّما هو "نمط عيش"، ونمط تفكير"، فنحن نخاف من أشياء ينبغي لنا ألا نخاف منها، ونخاف على أشياء ينبغي لنا ألا نخاف عليها.
 
المنجِّمون وأشباههم إنَّما يظهرون ويزدهرون ويشتد الطلب الشعبي على بضائعهم الفاسدة المغشوشة عندما يعجز العلماء (إلى حين) عن التفسير والتعليل والتوقُّع، فالعقل البشري، كما الطبيعة، يكره الفراغ، ويجتهد، بالتالي، في ملئه، ولو بأجوبة الوهم والخرافة.
 
وتذكَّرتُ، أيضاً، وأنا أتأمل في بعضٍ من أوجه "ثقافة الزلزال"، كيف فهمنا وفسَّرنا زلزال "تسونامي"، وكيف، بالتالي، وقفنا منه، ومن ضحاياه، مواقف عملية ونفسية وعاطفية.
 
لقد فهمناه وفسَّرناه في طريقة لا تسمح لنا بأن نمد إليهم يد العون والمساعدة. حتى الشعور بالتعاطف منعناه من الظهور. لقد نظرنا إلى زلزال "تسونامي" على أنَّه "قصاص ربَّاني"، أي أنَّ ضحاياه هُمْ أناس يستحقون هذا "العقاب الإلهي"، فهل نساعدهم فنُغضِب الله، فيَغضب علينا؟!
 
ولو صحَّ (حتى دينياً) فَهْم الزلزال على أنَّه "عقاب ربَّاني" فينبغي لنا عندئذٍ نبذ "علم الزلازل"، والنظر إليه على أنَّه جهد يبذله البشر لمنع أو عرقلة "العقاب الإلهي"!
 
إنَّها طريقة في الفهم والتفسير والنظر إلى الأمور لا يقرها لا عقل ولا دين؛ ومع ذلك كانت طريقة "مفيدة"، فمن خلالها اختبرنا أنفسنا وقوانا.
 
في "الزلزال"، أكان من صنع قوى الطبيعة أم من صنع قوى التاريخ والتطوُّر الاجتماعي، يكون "الاختبار الحاسم"، فالبشر المتأثِّرون به، من أفراد وجماعات، يخضعون لاختيار تُخْتَبَر فيه قواهم كافَّة، فينجحون أو يفشلون.
 
إنَّ كثيراً من القوى (الإيجابية أو السلبية) الكامنة فينا لا تظهر إلاَّ عندما يضطَّرنا "تغيير واقعي كبير" إلى إظهارها، فإنْ هي ظهرت (ولا بدَّ لها من أن تظهر) فإنَّ مواطن القوة والضعف فينا تصبح في متناول أبصارنا وبصائرنا، فنتغيَّر ونُغيِّر.
 
حتى في "المصائب والكوارث السياسية" التي أصابتنا، والتي هي من صنع أيادينا نحن ضحاياها، فضَّلْنا الفعل المبني للمجهول، أو تفسير تلك المصائب والكوارث على أنَّها من صنع القضاء والقدر، أو "قصاص ربَّاني"، فبرَّأنا ساحة المتَّهم الحقيقي، لنضع "البريء" في قفص الاتّهام!
 
ولقد صدق من قال "لكل امرئٍ في ما يحاول مذهب"؛ وأحسبُ أنَّ هذا القول يدحض زَعْم "موت الفلسفة"، فليس من إنسانٍ لا نرى في تصرُّفه وسلوكه وجهة نظر فلسفية أو فكرية عامة؛ و"الوعي الفلسفي" ليس بالشيء المعدوم التأثير في سلوك البشر في أوقات الضيق والشدَّة على وجه الخصوص، فلو أنَّ صاعقة انقضَّت (أو أوشكت أنْ تنقض) على منزل يسكنه كاهن لاتَّخذ هذا الكاهن الصلوات وسيلة لدرء الكارثة عنه؛ أمّا لو انقضت على منزل يسكنه رجل مختلف في "طريقة التفكير" فإنَّ "السلوك" سيختلف، فهذا الرجل سيسرع في تركيب "مانعة الصواعق".
 
وفي الكوارث الطبيعية، مثل الزلازل، ليست كل العواقب من صنع الطبيعة، فبعضها من صنع الحكومات والدول، وينبغي لنا، بالتالي، أن نرى "الذاتي" من عواقب الكارثة الطبيعية حتى يستطيع المجتمع معاقبة الجناة من أبنائه؛ ونحن لن نرى هذا "الجزء" وهؤلاء الجناة إذا ما فهمنا "الزلزال" على أنَّه "قصاص ربَّاني"، فهذا الفهم لا يعود بالنفع والفائدة إلا على أولئك الذين لهم مصلحة واقعية في اتِّهام السماء والقضاء والقدر بكل ما يجلبونه علينا من مصائب وكوارث.
 
في أسباب زلزال هاييتي، ودرجة قوَّته، وزمن وقوعه، نرى، على وجه العموم، الجانب الموضوعي من الكارثة؛ أمَّا جانبها الذاتي فيمكننا وينبغي لنا أن نراه في كثيرٍ من النتائج والعواقب والآثار، فالفقر، والفساد في بناء المنازل والبيوت، ونظام الحكم المُسْتَرْخِص لآدمية وأرواح مواطنيه المحكومين بالحديد والنار، وتركيز الإنفاق للمال العام في حيِّز المصالح الفئوية الضيقة، وفي سبيل تعزيز وتوطيد أمن مغتصبي الحكم والسلطة، هي جميعاً جزء من العوامل والأسباب الذاتية لكارثة الزلزال هذا.
 
إنَّ "الزلزال نفسه" يعطي نتائج إنسانية واجتماعية تختلف باختلاف المجتمعات وأنظمة الحكم، فما رأيناه من الصور والمشاهد في هاييتي لن نراه في السويد مثلاً إذا ما ضربها زلزال بقوَّة زلزال هاييتي، أو أقوى منه.
 
 
 
أوباما يَفْتَح "صندوق باندورا"!
 
جواد البشيتي
 
كان الله في عون "المُصْلِح (أو الإصلاحي) الأكبر" الرئيس الأسود الديمقراطي أوباما، فها هو الآن فَتَح، أو يوشك أن يَفْتَح، "صندوق باندورا"، وكأنَّه هو باندورا، التي لم تمتثل لأمر زيوس لها بأن تظلَّ مُغْلِقةً لهذا الصندوق، مُحْكِمَةً إغلاقه، ففتحته، فخرجت منه كل الشرور، فلمَّا أسرعت في إغلاقه أغْلَقَتْهُ فارغاً إلاَّ من شيء واحد، هو "الأمل"!
 
"إذا أردتُّموها حرباً، فإنِّي لها مستعدٌّ، وسأخوضها حتى النهاية"!
 
إنَّها كلمات من نار يُخاطِب بها "فارس الإصلاح"، و"بطل التغيير"، أوباما، "أشرار الأرض"؛ ولكن إيَّاكم أن تظنُّوا أنَّه بهذا اللسان من اللهب يتكلَّم ضد نتنياهو، أو الشيخ أسامة.
 
إنَّه يتكلَّم به ضدَّ "الحيتان" في "وول ستريت"، وضدَّ ممثِّلي وزعماء وقادة "الليبرالية الجديدة"، التي نراها اليوم تحاوِل أن تُثْبِت لنا، ولضحايا جرائمها، أنَّها كمثل طائر الفينيق، تَخْرُج من تحت الرماد الاقتصادي والمالي العالمي أكثر قوَّةً وحيويةً وجمالاً.
 
وإنَّ أخشى ما أخشاه أن "يكتَشِف" أوباما، بعد انتهاء الجولة الأولى من هذه الحرب، أنَّه قد أفرط وغالى، ثانيةً، في "التوقُّع"، وأنَّ من الحكمة بمكان أن يكفي نفسه شرَّ قتال "أشرار الأرض"، الذين يتَّخِذون من "وول ستريت" عاصمةً لهم.
 
أوباما الآن، بطل الحرب على إرهاب "القاعدة" في أفغانستان، وحَوْل العالم، والحائز على جائزة "نوبل" للسلام، والمستخذي لضغوط نتنياهو، والذي هبط منسوب شعبيته كثيراً، ليس لكونه فعل أشياء لم تُرْضِ شعبه، وإنَّما لكونه لم يفعل شيئاً يعتدُّ به، يعود إلى الشعب، إلى قاعدته الانتخابية، وإلى دافعي الضرائب، طالباً العون والمساعدة.. و"النفير العام"، فإنَّ رؤساء المصارف الكبرى عادوا إلى السير في الطريق نفسها، وكأنَّهم لا يستطيعون العيش إلاَّ بما يفضي دائماً وحتماً إلى إعادة إنتاج الأزمات المالية والاقتصادية العالمية.
 
ومع عودة "الليبرالية الجديدة" إلى الظهور من تحت الرماد اشتعل فتيل الصراع بينها وبين فئة واسعة من الرأسماليين الذين لهم مصلحة في ترويضها وتقييدها ودرء مخاطرها وشرورها عن الاقتصاد القومي والاقتصاد العالمي برمته، فظهرأوباما في معسكرٍ ضدَّ ممثَّلي "وول ستريت" ورؤساء المصارف الكبرى، ويضمُّ على وجه الخصوص "الرجل الطويل" بول فولكر، الذي تولَّى رئاسة البنك المركزي (مجلس الاحتياط الفدرالي) قبل آلان غرينسبان. ويُتَّهم "معسكر أوباما" بأنَّه يسعى في إعادة الولايات المتحدة، مع نظامها المالي، إلى الوراء، وإلى قانون "غلاس ستيغل" على وجه الخصوص.
 
ولقد تزامنت الحملة التي جرَّدها أوباما ضد رؤساء المصارف الكبرى مع إعلان مصرف "غولدمان ساكس" أرباحه للربع الأخير من 2009، والذي اتضح وتأكَّد من خلاله أنَّ "حليمة عادت إلى عادتها القديمة"، فنحو 80 في المئة من هذه الأرباح جاء من "المضاربة"، التي من رحمها تَخْرُج العصا الغليظة، التي بها يُضْرب الاقتصاد القومي والاقتصاد العالمي ضربة تكسر الظهر.
 
نحو 8 في المئة من أرباحه جاء من النشاط المصرفي العادي، والذي يجب أن يكون عصب عمل المصارف.
 
ولولا "المضاربة"، التي تعبدها المصارف الكبرى في "وول ستريت" على وجه الخصوص، لَمَا رأينا ظاهرة "Lehman Brothers"، أي ظاهرة المصارف التي حجم ديونها يفوق 33 مرَّة حجم رأسمالها.
 
وتزامنت أيضاً مع عودة رؤساء المصرف الكبرى إلى مَنْح أنفسهم، وموظَّفين آخرين، مكافآت مالية ضخمة على الرغم من أنَّ مصارفهم ما زالت تعتمد، في بقائها ونموِّها، على أموال الإنقاذ الحكومية، أي على أموال دافعي الضرائب.
 
"الرسالة" التي أرسلها "غولدمان ساكس" إلى البيت الأبيض، من خلال إعلانه أرباحه ومصادرها، كانت واضحةً جلية، فهذا المصرف إنَّما قال لسيد البيت الأبيض في "رسالته": لقد عُدتُّ إلى الربح من الطريق نفسها، أي من الطريق التي إذا ما سِرْتُ فيها قُدُما فلا مناص لكم من أن تهبُّوا إلى إنقاذي بمزيدٍ من الأموال العامة (أي الحكومية).
 
أوباما ما أن تسلَّم تلك "الرسالة" حتى خاطب رؤساء المصارف قائلاً: "أريد أن تعيدوا لنا أموالنا.. لقد حان لكم أن تعيدوا إلى الشعب أمواله التي اُنْفِقت في سبيل إنقاذكم".
 
حان لهم ذلك؛ ولكنَّهم فضَّلوا خياراً آخر هو تحويل جزء كبير من الأرباح إلى مكافآت مالية لهم، فالأرباح لهم، والخسائر للشعب!
 
سيد البيت الأبيض غضب من تلك المكافآت، فأغضب أصحابها إذ قرَّر أن يستعيد منهم أموال دافعي الضرائب من خلال فرضه ضرائب جديدة على المصارف.
 
غضبوا عليه مع أنَّهم يعرفون أنَّ المال المُسْتَجْمَع من هذه الضرائب الجديدة سيُنْفَق مستقبلاً في أعمال إنقاذ مالية جديدة لهم ولمصارفهم، فالأزمات الجديدة آتية لا محالة؛ لأنَّ كل قوى الإكراه في العالم لن تنال من قوَّة حُبِّهم للإقراض، الذي في تحريرهم له من كل قيد يكمن جوهر "الليبرالية الجديدة".
 
أوباما سرق بعضاً من النار من سارقها بروميثيوس ليصنع منه لساناً يتكلَّم به ضدَّ حيتان "الليبرالية الجديدة"؛ ولكنَّه أظهر ما ينبغي له إظهاره، وهو "الطوباوية" في التفكير والنظر إذ اختار "الماضي" حلاَّ لمشاكل "المستقبل".
 
لقد نظر في الأسباب والمسببات لـ "الانفجار الكبير" الذي انطلقت شرارته من "وول ستريت"، فتوصَّل، إذ استبدَّت "الطوباوية" في تفكيره، إلى أنَّ "التفتيت" للنظام المصرفي خيرٌ وأبقى من "التركيز"!
 
اكتشف "المصلح الأكبر" أوباما أنَّ المصارف في بلاده أكبر من أن تُتْرَك لتنهار، أو يُسْمَح لها بالانهيار، فسبحان من جَعَل في انهيار بضعة مصارف انهياراً للاقتصاد برمته!
 
المصارف في عهد الرأسمالية الأوَّل، حيث سادت المنافسة الحرَّة، كانت كثيرة متكاثرة؛ والفوائض النقدية للمجتمع كان يتقاسم ادِّخارها وتوظيفها واستثمارها عدد كبير جداً من المصارف، فلَمَّا انتهت "المنافسة الحرَّة" إلى عاقبتها النهائية والحتمية وهي "الاحتكار"، و"الرأسمال المالي"، تركَّزت تلك الفوائض في قلة قليلة من "الحيتان المصرفية"، أي المصارف الضخمة.
 
ومع هذا التركُّز، واشتداده وتعاظمه، أصبحت الخطوة التاريخية المنطقية التالية هي "التأميم"، أي تأميم المصارف الكبرى.
 
والرئيس أوباما، بما يمثِّل، وبمن يمثِّل، ليس المدعو إلى أن يخطو هذه الخطوة، فتفتَّق ذهنه عن "حلٍّ طوباوي"، هو إكراه تلك المصارف على التحوُّل في حجومها من "حيتان" إلى "أسماك"؛ ولكنَّ عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء!
 
وتوهَّم الرئيس أوباما أن تصغير حجوم المصارف، من خلال جَعْل نسبة "الودائع المضمونة" في أي مصرف لا تتعدى حاجز 10 في المئة من مجموع ودائع القطاع المصرفي، سيعيد شحن هذا القطاع بـ "الأخلاق" التي فرغت منه.
 
وشاطره هذا الوهم حاكم المصرف المركزي في بريطانيا ميرفين كينج إذ دعا إلى "تجزئة المصارف الكبيرة"؛ ذلك لأنَّ المصرف الكبير أو العملاق أصبح كالمارد، يستحيل حمايته من نفسه، ومنعه من الوقوع في الفشل.
 
من قبل، ولَّى الرئيس "مبارك حسين أوباما" وجهه شطر "النظام المالي الإسلامي" المعمول به جزئياً في البلاد الإسلامية، والذي ينبذ الربا وشروره، مؤسِّساً لعلاقة بين الدائن والمدين تقوم على "تشريك" الربح والخسارة، وكأنَّ أرباب النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة، وعملاً بميكيافلية اقتصادية وطبقية خالصة، لا رادع يردعهم عن طلب العون والمساعدة ولو من "الشيطان الأحمر"، من خلال أخذهم بالتأميم، ومن "الإسلام"، من خلال أخذهم بـ "اشتراكية" الربح والخسارة!
 
أوباما لم يستطع الهروب من "الحقيقة الاقتصادية العظمى" التي تحاصره من كل حدب وصوب، فالمصارف، وعلى كثرة ما حُقِنَت به من حوافز، وما أنزلوه عليها من مَنٍّ وسلوى، لم تشفَ بعد من مرض الإمساك عن الإقراض، فأباطرتها، الذين أتاهم ما حلَّ بهم من حيث لم يحتسبوا، وقُذِف في قلوبهم الرعب يخرِّبون بيوتهم بأيديهم، يقفون على تلالٍ من أموال خرجت ولم تَعُدْ، وإنْ احتفظوا بأوراق مُثْبَتَةٌ فيها حقوقهم المالية، فكيف لهم أن يَسْتَجْمِعوا في أنفسهم جرأة الإقراض، التي طالما حضَّهم عليها كهنة البيت الأبيض؟!
 
ما العمل من أجل جعلهم يقرضون الأفراد والشركات، فتدب الحياة في اقتصاد لم يشفَ، ولن يشفى، بإذن الله، من مرض الإدمان على الدَّيْن؟
 
كان هذا هو السؤال الذي تحدَّى "رئيس التغيير" أن يجترح معجزة إجابةٍ له، يمتثل لها الواقع، فيحيي هذا الرئيس عظام "وول ستريت" وهي رميم!
 
لقد أوحوا إليه من الحكمة ما مكَّنه من أن يرى "الخطوة الأولى"، فالمصارف لن تبدِّل جبنها جرأة إلاَّ إذا أتاها "شارٍ كريم"، أي ساذج، يشتري منها تلك "الأوراق"، أو ما يسمونه "الديون الهالكة المعدومة"، فإذا اشتراها، ولو بـ "ثمن اسخريوطي"، يصبح لديها من "السائل المالي"، ومن الجرأة المسقية به، ما يحوِّل بعضاً من إمساكها عن الإقراض إلى إسهال.
 
على أنَّ تلك الفكرة، المفعمة حكمة، والتي نفثوها في روع السيد الأسود للبيت الأبيض، لم تُوْلَد في أذهانهم إلاَّ من موت وهم ليبرالي كبير استبدَّ برؤوس كثيرٍ من الجمهوريين، وأفصحوا عنه، غير مرَّة، إذ دعوا إلى ترك النظام المصرفي الغريق ينقذ نفسه بنفسه، أي ترك المصارف ذاتها تتخلَّص من ديونها الهالكة المعدومة بمعونة قانون العرض والطلب؛ ولكن انتظارهم، الذي يشبه انتظار سقوط السماء على الأرض، طال، وظهر لهم هذا القانون الحي إلى الأبد، على ما يتوهمون، على أنَّه هالك هو أيضاً ومعدوم، ويحتاج إلى ما يعينه على استئناف الحياة قبل، ومن أجل، أن يصبح قادراً على إعانة تلك المصارف على التخلُّص، عبر "شارٍ مخلِّص"، من تلك الديون، المانعة لها من استئناف الإقراض للأفراد والشركات.
 
كان هذا هو الأبيض من الحلول؛ ولكن النظام المصرفي سوَّد وجوه القائلين به من أصوليي الليبرالية الجديدة؛ أمَّا الأسود فكان الحل الذي يقوم على جعل الدولة، لجهة علاقتها بأباطرة "وول ستريت" المفلسين المهزومين، دولة بِرٍّ وإحسان، فتَسْتَجْمِع المال من دافعي الضرائب المغلوب على أمرهم، لتُنْفِق ممَّا رُزِقت في سبيل تشجيع المصارف على استئناف الإقراض. وكان السبيل إلى ذلك أن تشتري الدولة الديون الهالكة المعدومة، وما تيسَّر لها من أسهم المصارف.
 
وكان يكفي أن تبتسم لهم الدولة هذه الابتسامة حتى يظنون بها السوء والغش، ويرون في ابتسامتها البريئة تكشيراً عن "أنيابها الاشتراكية"، فالدولة، التي هي دولتهم قلبا وقالبا، في السراء والضراء، مُغْرِضة في عزمها على شراء الأسهم، فهي ستتَّخِذ من هذا الشراء مدخلا إلى التأميم، الذي هو رجس من عمل "الشيطان الأحمر".
 
أوباما أنعم النظر في هذا "الحل الأسود"، الذي يشبه آخر العلاج وهو الكي، فتوصَّل بمعونة من حوله من حكماء لا وزن لحكمتهم عندما يُصْدِر التاريخ حكمه وقد أصدر، إلى أن الأخذ بهذا الحل سيُغْضِب "الشعب" و"الطبقة" معاً، فالشعب سيموِّل من لقمة عيشه عملية إنقاذ "وول ستريت"، فإذا أُنْقِذ أباطرة المال من الغرق فسوف يغرق الشعب المموِّل في فقر أشد وأعظم، ويتأكَّد، عندئذٍ، لدافعي الضرائب أنَّ أموالهم هي التي خرجت ولم تَعُدْ. أمَّا "الطبقة" فتخشى أن يتحوَّل "التأميم" من استثناء إلى قاعدة، ومن حلٍّ مؤقت وانتقالي إلى حلٍّ دائم ونهائي.
 
لقد تذكَّر أوباما أخيراً، وعلى ما يبدو، أنَّه ينتمي، ولو جزئياً وشكلياً، إلى "أُمَّة وسط"، فمزج الحلَّين الأبيض والأسود، ليأتينا بهذا "الحل الرمادي"، فالدولة والقطاع الخاص يتقاسمان شراء تلك الديون الهالكة المعدومة؛ ولكن على الدولة أوَّلاً أن تعرف كيف تغري المستثمرين من القطاع الخاص بشراء تلك الآفات والسموم.
 
المستثمِر من هؤلاء سيحصل من الدولة على ما يشبه "القرض الحَسَن"، فالدولة المتصرفة بأموال دافعي الضرائب، ستعطيه مبلغاً من المال على شكل قرض زهيد الفائدة، فيشتري به بعضاً من الديون الهالكة المعدومة بثمن بخس.
 
منتجو ومسوِّقو الوهم، ممَّن قنطوا من رحمة السوق الحرة، غرسوا في رأس هذا المستثمِر من الأوهام ما يغريه بهذا الاستثمار، فهذا الذي اشتراه من تلك الديون بثمن بخس سيترفع ثمنه في القريب العاجل، أو مستقبلاً، فإذا باعه بهذا الثمن المرتفع فسوف يربح ربحاً جزيلاً، وسيعيد، بالتالي، إلى الدولة أموالها، أي القرض مع فوائده الزهيدة.
 
ومع تضافر الدول والقطاع الخاص على شراء تلك الديون تصبح المصارف قادرة على استئناف إقراضها للأفراد والشركات، فتدور عجلة الاقتصاد.
 
أمَّا إذا ذهبت الحقائق بالأوهام، وخسر هذا المستثمِر، فعندئذٍ تقاسمه الدولة خسارته، وكأنَّ الدولة تقول له: إمَّا أن تربح ربحاً جزيلاً، وإمَّا أن تمنى بخسارة يسهل عليك ابتلاعها.
 
إدارة أوباما شرعت، أيضاً، تُولِّي وجهها شطر النموذج السويدي، والذي قد يفلح في مداواة اقتصاد الولايات المتحدة المثخن بجروح الليبرالية الجديدة المتوحشة أكثر من النموذج الياباني، ففي بداية التسعينات قامت السويد بتأميم قطاعها المصرفي، فلمَّا تعافى وتحسَّن أداؤه عادت إلى خصخصته، أي باعته للأفراد بالمزاد العلني.
 
ومع ذلك، ارتفعت بعض العقائر بالصراخ والشكوى والبكاء، فـ "دولة أوباما"، على ما يصوِّرونها في صراخهم وشكواهم وبكائهم، قد شرعت تكشِّر عن أنيابها "الاشتراكية" إذ تحدثت، في لهجة ودية، عن التأميم بـ "نموذجه السويدي"، والذي لو فهموه، وأحسنوا فهمه، لمنحوا الدولة السويدية جائزة نوبل للإنقاذ الرأسمالي.
 
والآن، أراد أوباما استعادة أموال الإنقاذ الحكومية من "المُنْقَذين"، الذين كانوا على شفير الهاوية والهلاك، وتقييدهم بما يَحُول بينهم وبين العودة إلى السير في مسار الهلاك نفسه، فهبُّوا ضدَّه هبَّة رجل واحد.
 
ولقد أسرع ممثِّلو "الليبرالية الجديدة" في زجِّ "قواهم القانونية" في المعركة، فاجتمعت "المحكمة العليا"، وهي أعلى هيئة قضائية في الولايات المتحدة، ليقرِّر قضاتها (خمسة ضد أربعة) إطلاق يد "المال السياسي والانتخابي" ضدَّ خصوم "الليبرالية الجديدة"، التي شعرت أنَّ حملات الإنقاذ المالية الحكومية قد نجحت بما يكفي لاستئناف الحياة المالية والاقتصادية وفق ما كانت عليه من طرائق وأساليب قبل نشوب الأزمة المالية والاقتصادية العالمية.
 
قضاة "الليبرالية الجديدة" اكتشفوا، في صراع أسيادهم ضدَّ مزيد من "رأسمالية الدولة" التي شدَّدت الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الحاجة إلى أدويتها ومصولها وحلولها، أنَّ توظيف المال في الحملات الانتخابية (لمصلحة مرشَّحين، أو ضدَّ مرشَّحين) ورَفْع القيود، أو ما بقي منها، عن استثمار المال سياسياً وانتخابياً، هما جزء لا يتجزَّأ من "حرِّية التعبير"، التي هي، بحسب البند الأوَّل من الدستور (المعمول به منذ ما يزيد عن 200 سنة) والذي استذرع به القضاة، القيمة التي لا تعلوها قيمة في سُلَّم القيم في الولايات المتحدة.
 
لقد رفعت "المحكمة العليا"، في قرارها، القيود المفروضة منذ عشرين سنة على الشركات (والتي أُدْرِجت في القانون الانتخابي) في شأن "التمويل المباشِر للحملات الانتخابية"، أكان هذا التمويل لمصلحة مرشَّحين أم ضدَّ مرشَّحين.
 
المحكمة نفسها كانت قد أصدرت، سنة 1990، قراراً يمنع الشركات من التمويل "المباشِر" للحملات الانتخابية للمرشَّحين، فاسْتُحْدِثت "لجنة للعمل السياسي"، من خلالها سُمِح للشركات بالمساهمة في تمويل الحملات الانتخابية.
 
ولا شكَّ في أنَّ القرار القضائي الجديد، وإذا ما كُتِب له البقاء، أو البقاء على الحال التي هو عليها الآن، سيظهر عمَّا قريب على أنَّه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ما معنى “حل مشكلة الحدود أوَّلاً”؟

كتبها جواد البشيتي ، في 5 شباط 2010 الساعة: 11:04 ص

 

ما معنى "حل مشكلة الحدود أوَّلاً"؟
 
جواد البشيتي
 
نيابةً عن رئيسها، الرئيس باراك أوباما، تحدَّثت وزيرة خارجية الولايات المتحدة هيلاري كلينتون، بعد محادثات أجرتها في واشنطن مع نظيريها الأردني والمصري، عن طريق جديدة لاستئنافٍ سريعٍ، غير مشروط، لمفاضات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، وللتوصُّل إلى اتفاقية نهائية في أجلٍ، يريده الفلسطينيون والعرب أن يكون "مسمَّى"، وتفضِّل هي (مع نتنباهو) ألاَّ يكون كذلك.
 
ولقد تحدَّثت عن هذا الأمر وكأنَّها "اكتشفت" الطريق التي إنْ سِرْنا فيها، وتقدَّمْنا، فلن نسير ونتقدَّم إلاَّ نحو الحل النهائي للنزاع بين إسرائيل والفلسطينيين؛ وكأنَّها أرادت تضمين ما أدلت به من أقوال وتصريحات وآراء "جديدة" ما يشبه "الاعتذار" و"التعليل".
 
"الاعتذار"؛ لأنَّ الرئيس أوباما لم يستصلِح فكرة أن يشرح للعرب، ولرئيس السلطة الفلسطينية على وجه الخصوص، الأسباب التي حملته على التراجع والتخلِّي عن مطلبه "وقف كل نشاط استيطاني" في الضفة الغربية والقدس الشرقية، قبل، ومن أجل، استئناف مفاوضات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.
 
هل أخطأ الرئيس أوباما، وضلَّ الطريق، وحاد عن "منطق السلام"، إذ تحدَّث، غير مرَّة، عن النشاط الاستيطاني وكأنَّه مُقْتَنِع تماماً بأنَّ من السذاجة والسخف بمكان أن تجرى مفاوضات حقيقية لسلام حقيقي في مناخ استمرار النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس الشرقية؟!
 
السيِّدة كلينتون إنَّما أرادت أن تقول الآن إنَّ رئيسها قد أخطأ (وجل من لا يخطئ) وإنَّها تعتذر عنه إلى ضحية خطأه الأولى وهي الرئيس عباس، الذي يستصعب كثيراً ما استسهله الرئيس أوباما، وهو التخلِّي عن مطلب، أو شرط، الوقف (المؤقَّت) لكل نشاط استيطاني في الضفة الغرية والقدس الشرقية، فرئيس السلطة الفلسطينية لا يمكنه أن يجلس إلى طاولة المفاوضات "المباشِرة" مع نتنياهو قبل أن يحصل على ما يمكِّنه من أن يُقْنِع الفلسطينيين بأنَّ هذا المطلب، أو الشرط، قد لُبِّي بما يكفي لاستئناف تلك المفاوضات.
 
إنَّنا نعلم أنَّ رجلاً بمكانة ومنزلة الرئيس أوباما يشقُّ عليه أن يقول "إنَّني كنتُ، وما زلتُ، مؤمناً ومقتنعاً بصواب مطلبي ذاك؛ ولكن الضغوط التي تعرَّضتُ لها حملتني على أن أحذو حذو غاليلو، فما نفع البديهية إذا ما تعارضت مع مصالح الأقوياء؟!".
 
وأحسب أنَّ الرئيس عباس، وبصفة كونه الضحية الأولى، يمكنه وينبغي له أن يصفح عن أوباما؛ ولكن ليس عملاً بمبدأ "أذله بالصفح عنه"!
 
"الاعتذار" الضمني، الذي تقدَّمت به السيِّدة كلينتون، نيابةً عن رئيسها، يمكن قبوله، فلسطينياً وعربياً؛ أمَّا "التعليل" الذي أقرنته به فلا يمكن قبوله والاقتناع به، ويمكن فهمه، إذا ما أصرَّت على تصويره على أنَّه "حقيقة مطلقة"، على أنَّه قولٌ فيه من المعاني ما يجعله شبيهاً بعذرٍ أقبح من ذنب.
 
قالت السيِّدة كلينتون، في معرض تعليلها، وكأنَّها قائل "وجدتها"، إنَّ حلَّ مشكلة الحدود بين إسرائيل والفلسطينيين يحلُّ تلقائياً مشكلة الاستيطان، وإنَّ حل مشكلة القدس (الشرقية) يفضي هو أيضاً إلى النتيجة نفسها، أي الحل التلقائي لمشكلة الاستيطان.
 
إنَّ السيِّدة كلينتون يكفي أن تقول إنَّ المفاوضات يجب أن تستأنف سريعاً، وبلا قيد أو شرط، وبلا جدول زمني يتضمَّن موعداً نهائياً لانتهائها، وأن تدعونا إلى القول بضرورة وأهمية وصواب ذلك، حتى نستنتج أنَّ إدارة الرئيس أوباما قد قرَّرت حلولاً لمشكلات الحدود والقدس (الشرقية) والاستيطان تتَّفِق من حيث الجوهر والأساس مع مواقف ومطالب وشروط حكومة نتنياهو، فقولها "ينبغي للفلسطينيين أن يحصلوا على دولة قابلة للحياة، تُعيَّن حدودها استناداً إلى خط الرابع من حزيران 1967" إنَّما يعني أنَّ الولايات المتحدة تؤيِّد حلاًّ نهائياً لمشكلة الحدود يقوم على ضمِّ كثير من الأراضي الفلسطينية، التي يحدها غرباً "الخط الأخضر"، وشرقاً "الجدار الأمني"، إلى إسرائيل. ويكفي أن يقبل الفلسطينيون (والعرب) ضمَّ تلك الأراضي إلى إسرائيل (أي بما يوافِق فهم السيِّدة كلينتون لفكرة تعيين حدود الدولة الفلسطينية استناداً إلى خطِّ الرابع من حزيران (1967 حتى يقبلوا ضمناً، أو في الوقت نفسه، حلاًّ لمشكلتي الاستيطان والقدس الشرقية يوافِق من حيث المبدأ والأساس مواقف ومطالب وشروط حكومة نتنياهو في هذا الشأن.
 
لقد صحَّحت السيِّدة كلينتون "الخطأ"، الذي ارتكبه رئيسها عن حُسْن نيَّة، مقتنعاً، بالتالي، بأنَّ الطريق إلى جهنَّم مبلَّطة بالنيَّات الحسنة، قائلةً ضمناً إنَّ مطلب "الوقف الفوري لكل نشاط استيطاني" في الضفة الغربية وقطاع غزة يتعارض مع "النتيجة النهائية" التي ينبغي لمفاوضات السلام المستأنفة أن تنتهي إليها وهي ضم (وقبول الفلسطينيين ضم) أجزاء من أراضيهم، يتركَّز فيها الاستيطان، إلى إسرائيل.
 
إنَّها، أي السيِّدة كلينتون، تخاطب الفلسطينيين قائلةً: أعطوا إسرائيل تلك الأراضي، وعيِّنوا، بعد ذلك، وعلى أساسه، حدوداً دائمة لدولتكم، فتتوصَّلوا إلى ما توصَّلنا إليه من "اكتشاف"، وهو "حل مشكلة الحدود يحلُّ تلقائياً مشكلة الاستيطان"، التي ستُحل تلقائياً، أيضاً، إذا ما انتهت مفاوضاتكم مع إسرائيل في شأن القدس (الشرقية) إلى قبولكم "الأحياء اليهودية" فيها على أنَّها ليست مستوطنات، ويجب أن تبقى جزءاً لا يتجزأ من إقليم دولة إسرائيل!
 
وكل الحقِّ الفلسطيني في القدس الشرقية لا يتعدى، بحسب وجهة نظر السيِّدة كلينتون، التي ستسعى في إقناع نتنياهو بقبولها، حق "الدولة الفلسطينية" في أن تحكم الفلسطينيين من سكان القدس الشرقية؛ أمَّا الأماكن المقدَّسة من إسلامية ومسيحية فيجب أن تُحلَّ مشكلتها بما يجعل المسلمين والمسيحيين يشعرون أنَّ حقوقهم الدينية في الحفظ والصون.
 
ومن حلِّ مشكلة الحدود على هذا النحو، أي بما يوافِق المواقف والمطالب الإسرائيلية في شأن الاستيطان والقدس الشرقية، يتولَّد للفلسطينيين "حقٌّ جديد"، لا تعترض عليه الولايات المتحدة وإسرائيل، هو "الحق في التعويض الإقليمي"، فإقليم الدولة الفلسطينية سيشمل "أراضي إسرائيلية"، فـ "العادل" نتنياهو، وإنْ رفض رفضاً باتَّاً "الانسحاب" حتى خطِّ الرابع من حزيران 1967، وأنْ يشمل إقليم الدولة الفلسطينية، بالتالي، كل الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967، يقبل مبدأ أنْ تَعْدِل مساحة إقليمها مساحة تلك الأراضي، وبالأمتار!
 
"كبير المفاوضين" الفلسطينيين صائب عريقات قال ما ينبغي له قوله، فلسطينياً، فدعا الرئيس أوباما إلى أن يعترف (الآن) بدولة فلسطينية يشمل إقليمها كل الأراضي ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

“إضراب” عن الكتابة في الشأن الفلسطيني!

كتبها جواد البشيتي ، في 5 كانون الثاني 2010 الساعة: 05:12 ص

 

 
 
"إضراب" عن الكتابة في الشأن الفلسطيني!
 
جواد البشيتي
 
السؤال اليومي للكاتب الصحافي اليومي، أي الذي يكتب، وينبغي له أن يكتب، مقالة يومية، سياسية على وجه العموم، هو "ماذا أكتب اليوم؟"، أو "عمَّ أكتب اليوم؟".
 
والكاتب ما أن يطرح على نفسه هذا السؤال، ويشرع يبحث له عن إجابة، حتى يتولَّد فيه، وفي اللحظة عينها، مَيْلان متضادان، أحدهما يدفعه في اتِّجاه الكتابة في الموضوع الذي بدا مهتمَّاً به، وبالكتابة فيه، والآخر يدفعه في اتِّجاه معاكس ومضاد؛ فإذا تغلَّب أحدهما على الآخر، بعد وبفضل الصراع، حُسِم الأمر إيجاباً أو سلباً، فكَتَبَ أو أحجم.
 
وكلَّما أجَبْتُ عن هذا السؤال، في معرض مفاضلتي بين مواضيع وقضايا عدة، قائلاً "كلاَّ، هذا الموضوع ليس بذي أهمية، ولا يستحقُّ بالتالي استنفاد الوقت والجهد في الكتابة فيه"، تذكَّرت قولاً لباحثٍ كبير هو "لا يُوْجَد موضوع غير مهم، أو عديم الأهمية، وإنَّما يوجد باحث غير مهتمٍ"، فالباحث الجاد والقوي يمكنه وينبغي له أن يرى ويكتشف المعاني الكبيرة والمهمَّة في الأمور والقضايا الصغيرة وقليلة، أو عديمة، الأهمية.
 
إنَّني، ومنذ بعض الوقت، أشعرُ بموت الدافع لدي للكتابة في الموضوع الفلسطيني بأوجهه كافة، وفي كل ما يمت بصلة إلى ما يسمَّى "عملية السلام"؛ وأحسب أنَ كثيراً من الكتَّاب (الذين يحرصون على الإتيان بشيء جديد، في ما يكتبون، ولو كان قليل الوزن أو الحجم) يشاركونني هذا الشعور، فالموضوع الفلسطيني، أو موضوع "عملية السلام"، يستثيران في جمهور متَّسع من الكتَّاب خليطاً من المشاعر السلبية، منها مشاعر الملل والسأم والضجر والسخط والقرف والتقزُّز، وكأنَّ الكاتب فيهما يتَّجِر ببضاعة كاسدة، يتعذَّر عليه أن يجد لها مشترياً في السوق.
 
الكتابة لدينا في الشأن الفلسطيني هي، على وجه العموم، كتابة في مأساةٍ، يعلو فيها، أي في هذه الكتابة، منسوب العداء

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

“سورة الأنفاق”.. يتلوها علينا الشيخ طنطاوي!

كتبها جواد البشيتي ، في 4 كانون الثاني 2010 الساعة: 06:06 ص

 

 
 
"سورة الأنفاق".. يتلوها علينا الشيخ طنطاوي!
 
جواد البشيتي
 
في عهد الزعيم الإيطالي الفاشي موسوليني، عرَّف أحدهم، وهو من أشباه الشيخ محمد سيد طنطاوي، "الحقيقة" قائلاً: "إنَّها ما يُفكِّر فيه موسوليني الآن"!
 
الشيخ طنطاوي هو رأس هرم المرجعية الإسلامية السنية الكبرى (الأزهر). ولو أردتم فهم "العلمانية"، في العالم العربي، معنى ومبنى، فما عليكم إلاَّ أن تقفوا على أوجه وخواص ومحتوى العلاقة الحقيقية والواقعية بين "الرأسين"، أي بين رأس "السلطة الروحية (الدينية)" ورأس "السلطة الزمنية" في مصر.
 
إذا ناديتم بـ "العلمانية" في مصر فسوف يظن ويتوهَّهم المنافحون عن "الدولة الدينية الإسلامية" أنَّكم تنادون بفصل الدين عن الدولة بما يؤدِّي إلى تخليص (وتحرير) الدولة من قبضة رجال الدين، أي تخليص (وتحرير) الدولة في مصر من قبضة الشيخ طنطاوي!
 
إنَّها المهزلة بعينها أن تُفْهَم "العلمانية" في عالمنا العربي على أنَّها نسخة من "العلمانية الأوروبية"، فالأوربيون اتَّخذوا من "العلمانية" سلاحاً للقضاء على ظاهرة الملوك الدمى، فالكنيسة هي التي كانت تتحكَّم في الملوك، وتسيِّرهم على هواها؛ واشتدت الحاجة بالتالي إلى تخليص الدولة من قبضة رجال الدين المسيحيين.
 
أمَّا عندنا فالحاجة تشتد إلى "علمانية في اتِّجاه معاكِس"، أي إلى "علمانية" تؤدِّي إلى تخليص (وتحرير) الدين الإسلامي ورجاله من قبضة السلاطين والحُكَّام ورجالات الدولة، وإلى (بالتالي) إنهاء ظاهرة "الشيخ طنطاوي" الذي لم يردعه رادع عن أن يقول ضِمْناً إنَّ الحق والحقيقة والشرع.. والإسلام الحنيف هو ما اتَّفَقَت عليه ليفني ورايس، واستخذت له مصر إذ شرعت تبني جداراً عازلاً فولاذياً (تحت الأرض) على حدودها مع قطاع غزة.
 
هذا الشيخ "الجليل"، شيخ السلاطين، برأسه الصغيرة، ونفسه العظيمة، مصاب بالخرف، أي بـ "الزهايمر"؛ وقد أتى الخرف حتى على ذاكرته الدينية والسياسية، فلمَّا سُئِل، ذات مرَّة، عن مصافحته للرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس، والتي تزامنت مع اشتداد الحصار الذي تضربه إسرائيل على قطاع غزة، شمالاً وشرقاً وغرباً.. وحتى "جنوباً"، أجاب قائلاً: "ليس لديَّ علم بحصار غزة"؛ ثمَّ تساءل قائلاً: "وهل إسرائيل هي التي تحاصِر غزة؟"!
 
وكلكم تَذْكرون حادثة إجباره طالبة مصرية على خلع نقابها، فلمَّا خلعته أمامه، ونظر في وجهها الذي لم يرَ فيه من الجمال ما يبرِّر ارتدائها النقاب، وبَّخها قائلاً: "ماذا كنتِ ستفعلين لو كان وجهكِ جميلاً؟!"!
 
لا تدهشوا، فحال شيخنا، الذي شاخ عقلاً وفكراً وضميراً، والتي تسرُّ العدى، وتغيظنا، هي الحال الطبيعية لرأس الأزهر في بلاد

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

احذروا فضائيات التكفير!

كتبها جواد البشيتي ، في 4 كانون الثاني 2010 الساعة: 06:02 ص

 

احذروا فضائيات التكفير!
 
جواد البشيتي
 
اعتدنا توديع سنة واستقبال أخرى بتبادل السؤال عن الأماني، فلمَّا سُئِلْت أجبتُ قائلا: "أُمنيتي أن تنتهي 2009؛ ولكن من غير أن تبدأ 2010".
 
لقد تمنَّيْت؛ وما التمنِّي إلاَّ طلب حصول الشيء الذي يصعب حصوله أو يستحيل؛ أمَّا في البلاغة فهو طلب الحصول على البغية التي لا يُرجى تحقيقها.
 
وفي اليوم التالي، أي في مساء الأوَّل من كانون الثاني 2010، شاهدتُ، مصادفةً، محطَّة فضائية عربية، أي ناطقة بالعربية ليس إلاَّ، تسمى "صفا"؛ أمَّا صفتها فلا تمت بصلة إلى اسمها.
 
إنَّكَ يكفي أن تشاهدها حتى تشعر أنَّ الزمن، عربياً، يشبه الزمن في جوف "ثقب أسود"، أي متوقِّف تماماً؛ ولقد توقَّف مُذْ اشتعل فتيل صراعٍ قبلي جديد هو الصراع بين السنة والشيعة.
 
ودرءاً لأيِّ سوء فهم أقول إنني لستُ شيعياً، ولن أكون أبداً؛ وإنَّني لستُ من خصوم الشيعة؛ لأنَّهم شيعة فحسب؛ ولن أكون أبداً.
 
وإنَّني أنتمي إلى ما لم يظهر بعد إلى حيِّز الوجود، وهو العرب، بصفة كونهم جماعة قومية، متَّحِدة، تَنْبُذ الشوفينية، تحيا حياة ديمقراطية حقيقية، تأخذ بالعلمانية، وتقف ضد الحكم الثيوقراطي مهما كانت تسميته، وتبتني "مواطَنَة" لا أثر فيها للانتماء الديني.
 
شاهدوا تلك الفضائية، التي يتوفَّر شيوخ على صُنْع وإدارة برامجها، واقرأوا ما يحمله شريطها الدائر من آراء وأفكار ودعوات..، لتروا الزمن الذي يراد لنا أن نعيش فيه.
 
اثنان لا وجود لهما في برامج تلك الفضائية، أو أصبحا أثراً بعد عين، ألا وهما "العرب"، أو الانتماء القومي العربي، و"العدو القومي" الأوَّل للعرب، وهو إسرائيل.
 
الصراع العربي القومي ضدَّ إسرائيل أصبح نسياً منسياً، فإذا كانت معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل قد أخرجت مصر من هذا الصراع (أو من شكله العسكري على وجه الخصوص) فإنَّ "صفا"، مع سائر السائرين على نهجها، لا تعرف من التعبئة والشحن والتحريض لمشاهديها إلاَّ ما من شأنه أن يساهم مساهمة كبيرة في نجاح الجهود والمساعي المبذولة لإخراج الأُمَّة بأسرها، أي العرب جميعاً، من الصراع القومي ضد إسرائيل.
 
"صفا" تقدِّم نفسها على أنَّها وشيوخها خير ممثِّل لِمَا يسمَّى "أهل السنة والجماعة" في الصراع الذي لا يعلوه صراع ضدَّ الشيعة، ولو كانوا من أبناء جلدتنا.
 
لقد رأيتُ فيها ما حان له أن يحملنا على "الكفر".. الكفر بكل سياسة تتلَّفع، مع ممثِّليها، بالدين، فالزج بالدين في السياسة إنَّما يزج بكل قوى العداء للأمة العربية في الحرب على وجودها القومي وعلى حقها في التطور الديمقراطي، ويجعل العرب جميعا وقودا لحرب تميت الأحياء من الأمة وكل ما بقي فيها من معاني وقوى الحياة، وتحيي، في الوقت نفسه، كل الموتى، ليتَّسِع ويترسَّخ فينا حُكم الأموات للأحياء، وكأنَّ معاوية ويزيد والحسن والحسين.. قد انتقلوا من الماضي إلى الحاضر ليكونوا السيوف المواضي في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على الوجود القومي العربي الذي يُظهر عجزا متزايدا عن إنتاج ممثِّلين ديمقراطيين وعلمانيين له، يملكون من الحيوية السياسية ومن الثقل الشعبي ما يمكِّنهم من التغلُّب على كل عصبية منافية ومعادية للانتماء القومي الذي يضرب جذوره عميقا في القيم والمبادئ الديمقراطية.
 
الولايات المتحدة وإسرائيل، وفي تعاون موضوعي مع إيران الآن، تتوفران على ضخ الحياة والقوة (بطرائق وأساليب شتى) في كل عصبية منافية ومعادية للعرب، قوميا وديمقراطيا؛ ولكنَّ سعيهما هذا ما كان له أن ينجح لو أنَّ خطاب ممثِّلي وزعماء العصبية الطائفية والمذهبية يقع على أسماع شعبية لا تشبه سمعهم، فكثير من العامة من العرب يتأثَّر بهذا الخطاب وكأنه الهشيم لجهة تأثُّره بالنار!
 
أمَّتُنا، وإذا ما أرادت التأسيس لوجودها القومي الديمقراطي، والتأسيس لوجود

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي